مقدمة
في مقالات سابقة، تناولنا تراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي وارتفاع الاعتماد على الواردات، مع الإشارة إلى عدم اتخاذ إجراءات كافية لتحرير سوق الكهرباء والغاز رغم صدور القوانين المنظمة منذ عقد من الزمان، وفي هذا المقال نذهب أعمق قليلا: هل هبط الإنتاج المحلي طبيعيًا أم بفعل سياسات أدت عمليًا لفتح الباب أمام الاستيراد؟ من المستفيد؟ وأين تقف مصر بين حلم «المركز الإقليمي للطاقة» ومتطلبات أمن الإمدادات؟
المحور الأول: الإنتاج المحلي—من الذروة إلى التراجع
• الذروة: بلغ إنتاج الغاز ذروته حول عام 2021 مع دخول حقول كبرى الخدمة (ظهر/شمال الإسكندرية).
• التراجع الطبيعي: حقول الغاز تتدهور إنتاجيًا بمرور الوقت (decline rate) ما لم تُحفر آبار تعويضية وتُنفَّذ برامج صيانة وتطوير.
• الاستثمار والتوقيت: أي تباطؤ في الإنفاق التطويري يظهر سريعًا على المنحنى الإنتاجي خلال 12–24 شهرًا.
• نقص الاستثمارات في الوقت المناسب يساوي عمليًا خفضًا في الإنتاج.
المحور الثاني: الاستهلاك المحلي ومصانع التسييل للتصدير
• الطلب المحلي: كهرباء وصناعة ومنازل؛ زيادة الطلب مع موجات الحر ونمو الصناعة.
• منشآت الإسالة (إدكو/دمياط) : أداة مصر للتصدير وتوفير العملة الصعبة، لكنها تحتاج فائضًا بعد تغطية السوق المحلي.
• المعادلة الواضحة ان كل انخفاض في الإنتاج المحلي يضغط على طرفى المعادلة: إمّا تقليص التصدير لتغطية متطلبات السوق المحلى أو ملء الفجوة عبر الاستيراد.
المحور الثالث: صفقة الغاز الإسرائيلي—الهيكل والمنطق الاقتصادي
• الطرفان التجاريان الرئيسيان: مطوّر الحقول الإسرائيلية (تمار/لفياثان) من جهة، وشركات مصرية خاصة وسيطة من جهة أخرى، مع تنسيق سيادي لمرور الغاز عبر خطوط الأنابيب.
• الهدف المُعلن: ضمان إمداد سريع عبر بنية تحتية جاهزة وتكُلفة أقل من استيراد الغاز المسال LNG من السوق الفورية Spot Market ، ,وبالتالي إمكانية تسييل الغاز الإسرائيلي وتصديره .
• المنطق قصير الأجل: الاستيراد السريع يحمي الشبكة الكهربائية والصناعة عند فجوات الإمداد، لكنه يشكل التزاما طويل الأجل ودعما للكيان في ظل توترات شديدة غبر معلومة النهاية .
المحور الرابع: تحرير سوق الغاز—قانون 2017… ولماذا لم يكتمل؟
• الفكرة: قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز (2017) أسّس لجهاز تنظيم السوق وفتح الباب لواردات وبيع مباشر من القطاع الخاص الى المستهلكين المؤهلين.
• حتى الان لم يتم بناء منظومة لسوق تنافسية كاملة رغم مرور ثمان سنوات على القانون ، فبقيت الصفقات الكبيرة عمليًا بيد ترتيبات شبه مركزية وبطريقة مباشرة.
• أثر ذلك: غابت منافسة الأسعار والعقود، وتضاءلت فرص دخول لاعبين جدد يمكنهم جلب غاز بأسعار أفضل أو الاستثمار في البنية التحتية.
المحور الخامس: سؤال مشروع دون اتهام —هل خُفِّض الإنتاج عمدًا لزيادة الاستيراد؟
• قراءة مهنية:
o فنيًا: التراجع الطبيعي حقيقي.
o إداريًا: أي تأجيل لبرامج التطوير وصيانة الحقول يترجم تلقائيًا إلى انخفاض إنتاج—وهو ما يخلق احتياجًا للاستيراد.
• هل هو «قرار متعمد»؟ لا دلائل علنية على ذلك ، لكن عمليا توضح جليا سياسة تفضيل الاستيراد «الأسرع والأيسر تمويليًا» على ضخ استثمارات محلية .
• من المستفيد؟ مورّدو الغاز الإسرائيلي، وشركات الوساطة والنقل، والاقتصاد الإسرائيلي الذي يحصل على تدفقات نقدية مستقرة؛ وعلى الجانب المصري المستفيد هو «استقرار قصير الأجل» للشبكة والصناعة—على حساب مخاطرة طويلة الأمد.
المحور السادس: ذاكرة السوق—قصة حسين سالم وما بعدها
• سابقًا: كانت شركة حسين سالم واجهة تصدير الغاز المصري لإسرائيل بأسعار متدنية أثارت غضبًا واسعًا، وتلاها نزاعات وتعويضات.
• حاليًا: الأطر المؤسسية والكيانات تغيرت؛ الصفقات الآن استيراد لا تصدير، وبترتيبات وتعاقدات مغايرة. لكن الدّرس ثابت: غياب الشفافية والتنافسية يخلق شبهات ويزيد كلفة القرار على الاقتصاد.
المحور السابع: المخاطر والتحديات
1. جيوسياسيًا: الاعتماد على مصدر واحد في بيئة متوترة يعظّم مخاطر الانقطاع السريع ومواجهة انهيار للمنظومات المستهلكة للغاز دون سابق انذار.
2. اقتصاديًا: الالتزامات طويلة الأجل تُقيد مرونة السياسات وتؤثر على ميزان المدفوعات.
3. صناعيًا: تراجع الاستثمار المحلي يُضعف سلسلة القيمة (حفر/خدمات/تشغيل)، ويبدّد مزايا الخبرة الوطنية.
4. سوقيًا: غياب سوق محررة بتسعير ونقل شفافين يحرمنا من قوة «المنافسة» كأفضل أداة لضبط الكلفة.
المحور الثامن: طريق للإصلاح—ماذا نفعل الآن؟
• خطة تعويض الانحدار: برنامج ملزم لآبار تعويضية وصيانة متقادمة بجدول زمني ومؤشرات أداء.
• تفعيل التحرير الحقيقي: إعلان تعرفة نقل مستقرة، طرح سعات الأنابيب بشفافية، ونظام توازن مالي (balancing) يُمكّن القطاع الخاص من الدخول
• تحفيز القطاع الخاص المحلى المصرى والعربى بالانخراط في سوق الاستكشاف والانتاج.
• تعاقدات ذكية: مزج مدد وأسعار مرنة تحمي من تقلبات السياسة والسوق، وربط جزء من الواردات بمشروعات إعادة التسييل والتصدير لتعظيم العملة الصعبة.
• حوكمة وشفافية: نشر تقارير سنوية وحديثة عن الإنتاج، الاستهلاك، الواردات، والتكاليف المتوسطة؛ فالمعلومة الدقيقة هي خط الدفاع الأول عن القرار الرشيد.
الخاتمة
السؤال: هل الصفقة دعم لاقتصاد الكيان ام احتياج للسوق المصرى وما هو التوازن الذي يحفظ امن الامداد دون بأقل المخاطر وبالتالي يجب التركيز على الاتى:
1. تعويض الانحدار الإنتاجي بسرعة،
2. تحرير سوق الغاز فعليًا لخفض الكلفة عبر المنافسة،
3. تصميم عقود واردات مرنة ومحكمة الحوكمة.
4. انشاء قطاع مصري في الاستكشاف والانتاج
بهذا فقط تبقى مصر على مسار «المركز الإقليمي للطاقة» دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا باهظًا وحماية لمستقبل مرهون بشرارة من هنا او هناك.
تنويه:
جميع الأرقام والبيانات الواردة في هذا المقال تقديرية، وهي مبنية على مصادر وتحليلات مهنية، ولا يُعتمد عليها كمصدر رسمي.
استشارى الطاقة والاستدامة
القاهرة في 9 أغسطس 2025




























