في عالم تتقلب فيه أسعار الطاقة كما تتقلب أمواج البحار، وتتعرض فيه الإمدادات لهزات بفعل الحروب والأزمات، تصبح القدرة على تأمين الغاز الطبيعي مسألة حياة أو موت للدول. وهنا يظهر بوضوح الدور المحوري لسفن التغويز، تلك الوحدات العائمة التي لا يعرف أهميتها إلا من ذاق مرارة نقص الكهرباء أو توقف المصانع.
هذه السفن، أو وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة، ليست مجرد قطع بحرية ضخمة، بل هي أشبه بمصانع طاقة متنقلة. تستقبل الغاز الطبيعي المسال القادم في حاويات شديدة البرودة، ثم تعيده إلى حالته الغازية، ليضخ مباشرة في الشبكات القومية. وفي لحظات الشدة، تتحول إلى جسر إنقاذ يربط بين العرض والطلب، ويحافظ على استقرار المنظومة.
قرار استباقي.. وقيادة واعية
هنا تُحسب للقيادة السياسية في مصر نظرتها البعيدة، حين تحركت مبكرًا، وسط أجواء إقليمية ودولية مضطربة، لتؤمن هذه الوحدات قبل أن تشتد الأزمة. فسنوات قليلة مضت شهدنا فيها انقطاعات وتخفيف أحمال في صيف قائظ، واليوم أصبح لدينا أسطول من ثلاث سفن: اثنتان في مينائي سوميد وسونكر بالسخنة، وثالثة “إنرجوس فورس” في العقبة الأردني، ثمرة تعاون أخوي مع المملكة الأردنية الهاشمية.
ورقة قوة إضافية
إلى جانب ذلك، تملك مصر ورقة قوة نادرة: محطتا إسالة عملاقتان في إدكو ودمياط، تمنحان البلاد قدرة تنافسية استثنائية، خاصة لقربهما من السوق الأوروبية العطشى للطاقة. وميزة سفن التغويز أنها أقل كلفة وأسرع تشغيلًا من المحطات الثابتة، ما يجعلها خيارًا ذكيًا على المدى الطويل.
تكامل في الاستراتيجية
هذه الخطوة ليست معزولة، بل جزء من استراتيجية شاملة لقطاع البترول: من انتظام سداد مستحقات الشركاء الأجانب، إلى طرح مناقصة عالمية لمسح سيزمي يغطي 100 ألف كيلومتر مربع في شرق المتوسط، دون تحميل الدولة أي أعباء مالية، وصولًا إلى تطوير الحقول ورفع الإنتاج بالشراكة مع كبريات الشركات العالمية.
كلمة أخيرة
في زمن الأزمات، تُختبر كفاءة الدول بقدرتها على اتخاذ القرارات الصحيحة في التوقيت الصحيح. وسفن التغويز، بالنسبة لمصر، لم تكن مجرد استثمار في البنية التحتية، بل استثمار في الأمن القومي نفسه. واليوم، ونحن نراقب استقرار إمدادات الغاز رغم التحديات، يمكننا القول بثقة إن القرار كان صائبًا.. وربما أنقذ البلاد من صيف أكثر ظلامًا.




























