لقد أثارت كلمات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي عن مبادرة الإصلاح المؤسسي في نفوسنا الكثير من الشجون والحماس، وأعادت إلى الأذهان حلمًا وطنيًا طال انتظاره لإعادة صياغة مؤسسات الدولة بشكل يتناسب مع طموحات الجمهورية الجديدة.
هذه الكلمات لم تكن مجرد خطاب سياسي، بل دعوة مفتوحة لكل أصحاب الرأي والخبرة للمشاركة في مسيرة بناء الدولة الحديثة.
ومن هذا المنطلق، جاءت هذه السطور كمساهمة فكرية ومهنية متواضعة لخدمة هذا التوجه الوطني الكبير.
منذ أيام وفى احد اللقاءات مع تخريج دفعة من شباب ضباط الشرطة ، تحدث فخامة الرئيس عن مشروعًا وطنيًا ضخمًا لإعادة صياغة مؤسسات الدولة بشكل هادئ ومنضبط، يقوم على الانتقاء بمعايير دقيقة ويهدف إلى تصويب العوار المتراكم داخل المنظومة الإدارية.
هذا المشروع لا يستهدف رئيسًا أو حكومة بعينها، بل يركّز على الإنسان ذاته – البني آدم – بوصفه محور الإصلاح وهدفه وأداته.
وكما أكد الرئيس: “في مشروع كبير جدًا لإعادة وصياغة مؤسسات الدولة، بيتم الانتقاء بمعايير، والمشروع مبني على إنك تصوب عوار موجود فينا، مش في رئيس ومش في حكومة، في البني آدمين، من أجل الإصلاح… وبحاول أعمل في مؤسسات الدولة بناءً مختلفًا عما كنا فيه، مش بالكلام ولا بالأحلام، بل بمعايير تتطور كل يوم عن اليوم الذي قبله.” وهذه الرؤية لم تبق حبيسة التصريحات الرئاسية، بل وجدت صدى واسعًا في مختلف الوزارات، حيث جاءت تصريحات عدد من الوزراء – من بينهم وزراء الكهرباء والبترول وقطاع الأعمال العام – مؤكدة أن الإصلاح المؤسسي أصبح خيارًا حتميًا لا رجعة فيه، وأنه لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة أو جذب الاستثمارات أو رفع كفاءة الخدمات من دون إعادة بناء الجهاز الإداري للدولة على أسس حديثة تتوافق مع متطلبات المرحلة القادمة.
هذا التوجه الاستراتيجي يُترجم إرادة سياسية حقيقية لخلق جهاز إداري عصري قادر على قيادة التنمية وتحقيق أهداف الدولة، لكن تنفيذه يتطلب رؤية مؤسسية شاملة تتجاوز حدود الشكل إلى جوهر الثقافة الإدارية وبنية التفكير المؤسسي.
أولاً: جهود الدولة في بناء القيادات والتحديات التي واجهتها
في إطار هذا المشروع الوطني، سعت الحكومة خلال العقود الماضية إلى إنشاء مراكز لإعداد وتأهيل القيادات الإدارية، بهدف بناء جيل جديد من القادة يمتلك مهارات القيادة والتخطيط والتغيير.
وقد نجحت هذه المراكز في تقديم برامج متقدمة في القيادة الاستراتيجية، وصنع القرار، وإدارة الموارد، والتحول المؤسسي.
غير أن الواقع واجه تحديات عديدة؛ إذ تحوّل بعض خريجي هذه البرامج إلى عناصر تمتلك فكرًا جديدًا وقدرات حقيقية على الإصلاح، الأمر الذي جعل بعضهم – في مراحل معينة – يشكل تهديدًا غير مقصود للقيادات التقليدية القائمة، مما أدى في حالات كثيرة إلى تهميشهم أو إقصائهم من مواقع التأثير.
هذه التجربة تكشف أن الإصلاح المؤسسي لا يتحقق بالتدريب وحده، بل يتطلب بيئة مؤسسية تحتضن التغيير وتحميه.
ثانياً: خبرات عملية ودور القطاع في نشر ثقافة القيادة
لقد كان لقطاع الكهرباء نموذجًا عمليًا في هذا المسار، حيث شاركت شخصيًا في تقديم العديد من الدورات التدريبية في شركات الكهرباء على مدار اكثر من عشرين عاما ، ركّزت على مفاهيم القيادة، والتحفيز، وإدارة وبناء الفريق، وتحديد أنماط القيادة القادرين على التغيير وليس فقط الاعمال التشغيلية.
وفي أكتوبر 2014، نشرت على صفحتي الشخصية رسالة أكدت فيها أن: “هناك قواعد لتقييم الأداء والاختيار لشغل المواقع القيادية… واعتقد أن الأكاديميات العسكرية والمدنية تقوم بتدريسها ليل نهار.
نتمنى أن نرى قيادات التغيير تحوِّل النظريات إلى تطبيقات. هناك فرق بين قيادة التغيير وقيادة التشغيل، وكلاهما مهم، ولكن لكل منهما موقعه ودوره.” هذه الرؤية ما زالت حتى اليوم تمثل جوهر الإصلاح المؤسسي، إذ أن نجاح أي مؤسسة لا يتوقف فقط على من يشغّلون النظام، بل على من يملكون الجرأة لإعادة صياغته.
ثالثاً: مظاهر الحاجة إلى الإصلاح المؤسسي
رغم الجهود، ما زالت العديد من مؤسسات الدولة تعاني من مظاهر قصور مزمنة تحدّ من فعاليتها، أبرزها:
1. تداخل الاختصاصات وضعف الحوكمة
2. البيروقراطية وتعقيد الإجراءات
3. غياب معايير الأداء والاختيار الموضوعي
4. ضعف الربط بين الأهداف والاستراتيجيات
5. الاعتماد على الأشخاص لا النظم
رابعاً: الدرس من التجارب الواقعية – «مصر الرقمية»
نموذجًا من التجارب التي توضح أهمية الانتقال من الشكل إلى الجوهر تجربة «مصر الرقمية» ومنظومة استقبال الشكاوى التابعة لمجلس الوزراء.
فرغم التطور الكبير في استقبال الشكاوى وتوثيقها إلكترونيًا ومنح أرقام متابعة، إلا أن التجربة تنتهي بعضها بردود شكلية لا تعالج أصل المشكلة بعد أسابيع طويلة فيعود المواطن لفتح شكوى جديدة، ويدور في حلقة مفرغة حتى يصيبه الإحباط.
هذا المثال يعكس جوهر القضية:
الإصلاح ليس في استقبال الشكوى بل في حلها، وليس في المنظومة بل في الإنسان الذي يديرها.
العبرة بالنتائج لا بالإجراءات.
خامساً: أركان الإصلاح المؤسسي الفعّال
أي إصلاح مؤسسي جاد يجب أن يقوم على أربعة أركان مترابطة وباختصار (اشرنا سابقا في مقالات):
1. الحوكمة والشفافية
2. الهيكل التنظيمي والوظيفي
3. بناء القدرات والقيادات
4. التحول الرقمي وإدارة المعرفة
سادساً: القيادة الإصلاحية مقابل القيادة التشغيلية
عند الحديث عن مستقبل مؤسسات الدولة، من الضروري التفرقة بوضوح بين القيادة الإصلاحية أو التغييرية والقيادة التشغيلية، فهما نمطان مختلفان في التفكير والدور والأثر، وكلاهما مهم، ولكن لكلٍّ منهما مجاله ووظيفته. فالقيادة الإصلاحية أو التغييرية تتبنى هدفًا أوسع يتمثل في إعادة بناء النظام المؤسسي وتغيير الثقافة السائدة بما يتناسب مع متطلبات المستقبل.
وهي قيادة تنظر إلى الأمام بعين استراتيجية، تمتلك رؤية واضحة وتتبنى تفكيرًا مستقبليًا وإبداعيًا يتجاوز حدود الواقع القائم.
كما أن هذه القيادة تدرك أن التطوير الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال المخاطرة المحسوبة وتجربة حلول جديدة وخارجة عن المألوف. وتستخدم هذه القيادة أدوات قوية مثل إعادة الهيكلة، وتطوير التشريعات، وتغيير ثقافة العمل لتُحدث تحوّلًا جذريًا ومستدامًا.
والأهم أن أثرها لا يتوقف برحيلها، إذ تترك وراءها منظومة قادرة على الاستمرار والتطور الذاتي. أما القيادة التشغيلية فهي معنية في المقام الأول بـ الحفاظ على النظام القائم وضمان استمراريته. تركّز هذه القيادة على الإجراءات اليومية والروتينية والخطط العاجلة، ومتابعة التنفيذ وحل المشكلات الطارئة التي قد تعيق الأداء.
وهي تميل بطبيعتها إلى تجنّب المخاطر والتركيز على الاستقرار، وتُفضل التعامل مع التحديات بأساليب تقليدية قائمة على ضبط الأداء والمتابعة المستمرة.
ويظل نجاح هذا النمط من القيادة مرتبطًا بوجود القائد نفسه، إذ إن غيابه كثيرًا ما يؤدي إلى تراجع الأداء أو توقف مسار العمل.
وبينما تُعدّ القيادة التشغيلية ضرورية للحفاظ على كفاءة واستقرار المؤسسات، فإن القيادة الإصلاحية هي التي تصنع المستقبل وتؤسس لمنظومات قادرة على النمو والتطور بعيدًا عن الأشخاص وتكامل النمطين – مع إعطاء الأولوية في فترات التحول إلى القيادة الإصلاحية – هو الضمان الحقيقي لنجاح مشروع الإصلاح المؤسسي واستدامته.

توصيات استراتيجية لدعم التنفيذ:
• إنشاء مجلس أعلى للإصلاح المؤسسي بقرار جمهوري يتولى التنسيق والرقابة (هام وضروري).
• إعلان مؤشرات الأداء المؤسسي (KPIs) سنويًا بشفافية.
• الانتقال من ثقافة “رد الفعل والخطط العاجلة” إلى “التخطيط الاستباقي” القائم على البيانات.
الخاتمة:
لقد أثارت كلمات فخامة الرئيس عن الإصلاح المؤسسي فينا الرغبة الصادقة في أن نكون جزءًا من هذا التحول التاريخي، وأن نُسهم بخبراتنا وأفكارنا في بناء مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار.
إن مشروع الإصلاح المؤسسي ليس مجرد برنامج حكومي، بل مسؤولية وطنية ومشروع جيل بأكمله، يتطلب تكاتف الدولة والمجتمع والخبراء والمفكرين.
وإذا كانت الإرادة السياسية قد وفرت الإطار والدافع، فإن مسؤوليتنا جميعًا أن نحول هذه الإرادة إلى واقع ملموس يراه المواطن في جودة الخدمة وكفاءة الأداء وعدالة الإجراءات عندها فقط نكون قد وضعنا لبنات دولة عصرية قادرة على المنافسة، وقادرة على حماية مستقبل أبنائها.
كلمة أخيرة:
هذا المقال ليس سوى محاولة لرد الجميل لهذا الوطن، ومشاركة مخلصة في المشروع الذي أطلق شرارته فخامة الرئيس، وساندته الحكومة بكل أجهزتها، ليظل الإصلاح المؤسسي بوابتنا نحو مستقبل يستحقه المصريون.
د. م. محمد سليم سالمان استشارى الطاقة والاستدامة/ امين الطاقة حزب المؤتمر عضو المجلس العربى للطاقة المستدامة القاهرة 10 /10/2025


























