سؤال لم يعد يحتمل التأجيل
ليس من باب المزايدة ولا من باب الخصومة، بل من باب الحرص الصادق على المهنة، يفرض الواقع
سؤالًا لم يعد من المقبول تأجيله: متى يكون لنقابة المهندسين نقيب وأعضاء هيئة مكتب متفرغون لإدارة شؤونها، وبمقابل مادي واضح وشفاف، بدلًا من استمرار نزيف مليارات الجنيهات من الدمغات الهندسية بسبب غياب التفرغ وانشغال القيادات النقابية بأعمالهم الأساسية التي تدر عليهم دخلًا مشروعًا وكبيرًا؟
النقابة كمؤسسة لا كنشاط تطوعي اجتماعي
نقابة المهندسين ليست كيانًا هامشيًا ولا عملًا تطوعيًا بسيطًا يمكن إدارته في أوقات الفراغ. هي مؤسسة مهنية كبرى تمثل مئات الاف من المهندسين المسئولين عن تيسير أمور مناحي الحياة ومفاصل الدولة، وتدير موارد مالية ضخمة، وتتقاطع أدوارها مع الدولة والقطاع الخاص والمشروعات القومية.
هذا الحجم من المسؤولية لا يُدار بمنهجية “نقوم بالواجب حين تسمح الظروف”، بل يحتاج إلى إدارة يومية واعية، ومتابعة ميدانية مستمرة، وقرارات حاضرة، ورؤية واضحة.
بين العمل التطوعي والعمل التنفيذي
ومن واقع تجربة شخصية، تشرفت بالمشاركة في العمل النقابي التطوعي داخل النقابة العامة، إلى جانب زملاء مهنيين محترمين، حيث تشرفت برئاسة لجنة التدريب ولجنة التوظيف عام 2020 بعد الخروج الى المعاش، وكذلك عضوية اللجنة الاستشارية العليا، ومقرّر لجنة اعتماد المهندسين الاستشاريين حاليا.
وهذه كلها أعمال تطوعية بطبيعتها، لأنها تقوم على الرأي والخبرة والمشاركة المهنية، ولا تتطلب تفرغًا كاملًا كما يجب ان يكون على السادة أعضاء هيئة المكتب.
لكن الخطأ الشائع هو الخلط بين هذا النوع من العمل التطوعي، وبين العمل التنفيذي اليومي لهيئة مكتب النقابة. فقيادة النقابة ليست دورًا استشاريًا ولا مشاركة وقتية، بل مسؤولية تنفيذية كاملة، لا تستقيم دون تفرغ حقيقي وعمل مؤسسي وحوكمة تنظيمية.
غياب التفرغ… المشكلة لا الأشخاص
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأشخاص، فكثير من قيادات النقابة أصحاب كفاءة وخبرة ونجاح مهني مشهود، ولكن الإشكالية في غياب التفرغ. النقيب وأعضاء هيئة المكتب، بحكم مواقعهم المهنية، يديرون شركات أو مكاتب استشارية أو يشغلون مناصب قيادية تنفيذية تستحوذ بطبيعتها على معظم الوقت والجهد.
ومع احترام هذا النجاح، يبقى السؤال: متى يتفرغون فعليًا لإدارة النقابة؟
مفارقة المقابل المالي والواقع القائم
تزداد المفارقة تعقيدًا حين نعلم أن هناك بالفعل نسبًا من حصيلة الدمغات الهندسية يحصل عليها بعض أعضاء هيئة مكتب النقابة، في ظل غياب تفرغ كامل أو منظومة أداء واضحة.
وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كان هناك مقابل مالي قائم بالفعل، فلماذا لا يكون في إطار واضح ومعلن ومشروط بالتفرغ والمساءلة، بدلًا من استمرار هذا الوضع الرمادي؟
الخسارة الحقيقية ليست في الرواتب
الاعتراض الدائم على فكرة التفرغ يكون بحجة عدم تحميل النقابة أعباء مالية إضافية (أحيانا يكون حق يراد به باطل)، بينما الحقيقة أن الخسارة ليست في الرواتب أو البدلات، بل في ما يضيع بسبب غياب الإدارة المتفرغة مليارات الجنيهات من الدمغات الهندسية لا تُحصّل بالكامل، وملفات كثيرة تُترك دون متابعة، ومشروعات تتوقف ، وفرص تطوير حقيقية تضيع، فقط لأن من يتولى المسؤولية لا يملك الوقت الكافي للقيام بها كما ينبغي في العمل المؤسسى.
إصلاح تدريجي لا صدامي
الحل لا يكمن في الإقصاء ولا في التشكيك في النوايا، بل في إصلاح مؤسسي هادئ.
يمكن البدء بتفرغ كامل لهيئة مكتب النقابة العامة، بعقود واضحة، ومقابل مادي معلن، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ثم تقييم التجربة بشفافية. وفي مرحلة لاحقة، وبعد نجاح النموذج، يمكن دراسة تفرغ هيئة مكاتب بعض اللجان ذات الطابع التنفيذي، وفق حاجة حقيقية ومعايير واضحة.
كفى شغل المواقع التنفيذية دون إعطائها الوقت المستحق
كفى شغل المواقع النقابية بقيادات محترمة لكنها لا تجد الوقت لإدارة أعمالها النقابية، ولا تحتاج أصلًا إلى إضافة أعباء جديدة فوق أعمال ناجحة قائمة بالفعل، ولنا في ذلك تجارب سابقة حيث لم يدخل النقابة مرة او مرتين بعد انتخابهم في هيئة المكتب ودون ذكر اسماء. العمل النقابي ليس وجاهة ولا لقبًا شرفيًا، بل مسؤولية كاملة.
سؤال المستقبل
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة ومسؤولية هو: متى نعامل نقابة المهندسين كمؤسسة تُدار لا كمواقع تُشغل؟ ومتى ندرك أن دفع مقابل عادل للتفرغ، في إطار شفاف وخاضع للمساءلة، هو استثمار في حماية المهنة، لا عبئًا على مواردها؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة تفرضها الأرقام والواقع.
د. م. محمد سليم استشاري طاقة واستدامة عضو اللجنة الاستشارية العليا – نقابة المهندسين































