٠١٢الكهرباء المتقلبة والمستقرة
سمحت لي مؤسسة الأهرام مشكورة بنشر مقتطفات من الفصل ٨ من كتاب “آفاق تحول الطاقة في مصر …”
هانئ محمود النقراشي
إلحاقا بالمقال “٠١١ موقع القدم في أول خطوة” نرى أن وضع مسمى واقعي مثل
“معامل الأداء”
Performance Factor
مع وضوح معناه وتحديد عددي لأداء معدة إنتاج الكهرباء على مدار السنة، إلا أنه لا يعطي مؤشرا لفترات الانقطاع عن الإمداد. والوسيلة المتبعة للآن هي متابعة الطبيعة وإحصاء فترات الهدوء النسبي للرياح وفترات نقص ضوء الشمس. وهذه تختلف من مكان لآخر لذلك لا نتعرض إليها الآن ونكتفي بتوضيح بعض المصطلحات بطريقة مبسطة ولكنها تبين الإطار الأساسي
٠١٢الفرق بين الكهرباء المتقلبة والمستقرة
الحمل الكهربائي في الشبكة
المقصود هنا هو تغير الحمل الكهربائي في شبكة دولة ما تبعًا لمتطلبات المستهلكين وهو تغير موسمي بين الشتاء والصيف وكذلك تغير يومي حسب ساعات النهار وأيضًا تغير تبعًا لظروف العطلات الرسمية
لتبسيط الأمور قُسِّم الحمل اليومي: إلى “الحمل الأساسي” وهو الذي يتواجد دائمًا و”الحمل الأوسط” وهو الذي يضاف إلى الحمل الأساسي ويرتفع عنه بمقدار زيادة الطلب ثم يضاف أيضًا “حمل الذروة” وهو يأتي لمدة محدودة في اليوم وقد تحدث هذه الذروة أكثر من مرة في اليوم، فتعرّف بذروة النهار وذروة المساء. الذروة تسبب أكبر قلق لمشغل الشبكة لأنه يجب أن يكون مستعدًا لها بالمتاح بوحدات سريعة التشغيل تصل قدرتها الإجمالية أحيانًا إلى ٢٠٪ من متوسط حمل الشبكة
في دولة سويسرا مثلًا استقر المصطلح الطريف “ذروة الطبيخ” لأن قبل الظهر بنحو ساعة وإلى بعد الظهر بحوالي ساعة اعتادت المجتمعات المنزلية طهى وجبة الغداء باستعمال الكهرباء؛ مما يسبب حملًا فجائيًا على شبكة الكهرباء، فلجأ مشغل الشبكة إلى نوعين من توليد الكهرباء
أحدهما فتح صنبور سريان الماء المخزون في إحدى بحيرات جبال الألب ليدير تربينة مائية، وهذه أسرع طريقة لتلبية الطلب، والأخرى تشغيل تربينة غازية أحادية وهذه تحتاج حوالي ١٥ دقيقة للوصول إلى قدرتها القصوى. وفى ألمانيا حيث يمثل القطاع الصناعي الاستخدام الأكبر للكهرباء يرتفع الاستهلاك تدريجيًا بعد الشروق ليصل إلى ذروة الطلب ظهرًا ويبدأ بعدها في الانخفاض إلى وقت الغروب تقريبًا. لذلك تلبى الخلايا الضوئية هذا الطلب بطريقة مُرضية حيث أن توليدها للكهرباء يتوافق إلى حد كبير مع الطلب.
وحمل الذروة هذا هو الذي يُملى على مشغل الشبكة مقدار القدرة الكلية التي يتحتم وجودها في الشبكة في ساعات الذروة، لذلك لا تكتفى ألمانيا بالقدرة المتاحة من الخلايا الضوئية حيث أن السُحُب قد تتسبب في إنقاصها إلى الربع، وتضع قدرة احتياطية من المحطات الفحمية جاهزة للدخول الفوري إلى الشبكة؛ وهذا الإجراء يضطرهم إلى حرق بعض الفحم لتكون المحطة مهيأة لإمداد طاقتها بأسرع وقت ممكن. نستنتج من ذلك أن حمل الذروة يُحتم وجود قدرة مضمونة في الشبكة تساويه، وجاهزة في غضون دقائق لتلافى انقطاع الإمداد الكهربائي
بينما في مصر وكذلك أغلب الدول العربية يحدث حمل الذروة تقريبًا ساعة بعد غروب الشمس لذلك، بعكس ألمانيا لا يتوافق إمداد الخلايا الضوئية مع الطلب لأن وقت الظهر يكون الطلب على الكهرباء مرتفعًا إلى حد ما ولكنه عادةً يقع تحت مسمى “الحمل الأوسط”.
من الاختلافات في نمط الطلب على الكهرباء بين دول أوروبا وأغلب الدول العربية أن ذروة الحمل في أوروبا شـتاءًا تكون حوالي ٢٠٪ فوق ذروة الحمل صيفًا بينما الدول العربية عكس ذلك تمامًا، إذ يكون الحمل الأقصى صيفًا.
القدرة Power
هي الكهرباء التي تنتجها مُعدّة في لحظة معينة، ويمكن أن تقارن بقدرة حصان على شد ثقل لرفعه. والوحدة المستعملة الآن هي وات ومضاعفاتها كيلووات وميجاوات، بينما كانت قديمًا “حصان” لأن المخترع الإنجليزي “جيمس وات” استخدم حصانًا لقياس قدرته، وبالتالي حساب قدرة المحرك البخاري الذي طوره. وأنا أعتبر أن تسمية وحدة القدرة “حصان” فيها تكريم لهذا الحيوان الذي ساعد الإنسانية على بناء الحضارة.
الطاقة Energy
هي القدرة التي أعطيت في زمن محدد، أي وحدة عمل. وهذه تقاس وات ساعة، كيلووات ساعة أو ميجاوات ساعة وهي التي تُستعمل لحساب التكلفة لأنها سلعة يُنتجها صاحب محطة الكهرباء ويشتريها المستهلك للكهرباء.
القدرة الإسـميةNominal Power
هي القدرة التي يضمن صانع المُعدّة إنتاجها من الكهرباء تحت الظروف التي يحددها، وهي أيضًا أقصى ناتج كهربي يمكن أن تمده المُعدّة.
معامل التحميل Capacity Factor
إذا افترضنا وجود مُعدّة متصلة بالشبكة الكهربائية تنتج الكهرباء من الغاز الطبيعي (الأرضي)
هذه المُعّدة تستطيع الحصول على ما يلزمها من الغاز في أي وقت، ومع ذلك فهي لا تعمل عادةً طول السنة بطاقتها الإسمية، بل يقل إنتاج الكهرباء في بعض الفترات توافقًا مع الطلب، أي تكون الطاقة المنتجة على مدار السنة أقل من قدرتها الأسمية مضروبة في عدد ساعات السنة وهو ٨٧٦٠ ساعة
وتسمى النسبة بين الطاقة المنتجة والطاقة النظرية في حالة إنتاج القدرة الإسمية طول السنة باللغة الإنجليزية Capacity Factor وتم ترجمتها إلى العربية “مُعامل السعة” وهي ترجمة لا تعكس وظيفة هذا المُعامل لذلك رأيت تسميته “مُعامل التحميل” لأنه يعبر عن متوسط تحميل المُعدّة (حدث هذا الخلط لأن في الإنجليزية كلمةCapacity تستعمل بمعنيين وهما القدرة والسعة بينما في العربية تُستعمل “السعة” لتحديد مقدار ما يتسع له حيز معين مثل الإناء فيقال “قِدْرة الفول سعتها خمس لترات”
وإذا تصورنا أن المُعدّة الكهربائية التي افترضناها صممت بحيث تستمر في الإمداد الكهربي طول السنة طالما يصلها الوقود بانتظام إذن سيكون مُعامل التحميل لهذه المُعدّة الافتراضية ١٠٠٪ وإذا افترضنا أن الغاز قطع عن المُعدّة لفترة وأن هذا الانقطاع يحدث من وقت لآخر مسببًا انقطاعات متكررة في الإمداد الكهربائي وتبعًا لذلك يكون الإمداد على مدار السنة أقل مما يمكن أن يكون لو عملت المُعدّة باستمرار كما هو مخطط لها
إذا أردنا توصيف مُعامل لهذا النقص في الإمداد فلا تستقيم تسميته “مُعامل التحميل” لأن التحميل لا علاقة له بانقطاع سريان الغاز والاسم الصحيح في نظري هو “معامل الإمداد” لأن انقطاع الغاز هو المسؤول عن عدم استمرار الإمداد بالكهرباء ولو ترجم هذا إلى اللغة الإنجليزية لكان””Supply Factor
وضع الغاز وانقطاعه في هذا المثال مكافئ لسرعة الرياح التي هي الدافع الأساسي لإدارة طاحونة هوائية لإنتاج الكهرباء لذلك لا يستقيم في نظري إلا تسمية “معامل الإمداد” عند الحديث عن الطاقات المتجددة وخاصةً المتقلب منها
معامل الإمداد “Supply Factor”
هو حسب التعريف السابق متوسط الطاقة المنتجة سنويًا منسوبًا إلى القدرة الأسمية مضروبة في عدد ساعات السنة وهي ٨٧٦٠ ساعة. وهنا نجد أن وضع طاحونة رياح في مكان فيه رياح شديدة ومستمرة يعطى قيمة عالية لمعامل الإمداد في هذا المكان، بينما لو وضعت الطاحونة في مكان آخر بعد تعديلها لتتوافق مع سرعة رياح ذلك المكان ستأتي بقيمة أخرى؛ لأن مصدر الطاقة المُحركة وهو سرعة الرياح وانتظامها مختلفين. وليس لطاحونة الرياح يد في هذا الاختلاف فهي تؤدى العمل الذي وُكّل إليها وهو تحويل سرعة الرياح إلى طاقة كهربائية، ولكن ما الحيلة إذا لم تأت الرياح بما يشتهي مستهلك الكهرباء. نواجه نفس الموقف عند النظر إلى اللوحات الفوتوفلطية وهي تتكون من بلورات تحوّل الضوء إلى كهرباء. وهي لذلك مفيدة جدًا لاستعمالها في الأماكن المنعزلة مثل الآبار أو المضخات المستعملة في المزارع البعيدة عن شبكة الكهرباء. أما إذا استدعى الأمر ربطها بشبكة الكهرباء لتعزيزها فهي تتيح ربط وحدات صغيرة أو متوسطة القدرة في مواقع مختلفة بالشبكة؛ لإنقاص فاقد نقل الكهرباء لأن ميزتها الكبرى هي مرونة تركيبها في أي مكان. وهي تعتبر متقلبة لأنها لا تعطي كهرباء مستقرة طول السنة، فهي تبدأ في الإمداد الكهربائي بعد الشروق بقليل ويزداد إنتاجها إلى ذروتها الإسمية وقت الظهر، ثم تبدأ في التناقص إلى قبيل الغروب حيث ينقطع الإمداد الكهربي كليةً إلى صباح اليوم التالي. ومن البديهي أن السُحُب والعواصف الرملية، أي كل ما يحجب الشمس عن الخلايا الضوئية يضعف إنتاجها الكهربي فضلًا عن اختلاف منحنى الإنتاج تبعًا لفصول السنة.
كذلك وجد أن درجة حرارة الهواء المحيط ينقص من كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء؛ لأن طاقتها الأسمية تقاس في المعمل تحت حرارة ثابتة وهي ٢٥ درجة مئوية، كما أنها تفقد حوالى ١٪ من قدرتها سنويًا بسبب التقادم. وعند عمل مقارنة سريعة بين الطاقات المتقلبة المتاحة في مصر من حيث مُعامل الإمداد نجد التالي:
* الرياح: أعلى مُعامل إمداد هو ٤٠٪ ، وهو في بعض الأماكن على ساحل البحر الأحمر
* الطاقة الشـمسـية الضوئية أي الفوتوفلطية: أعلى مُعامل إمداد هو ٢٠٪
ومثل هذه النظرة المبسطة تغفل بعض المميزات لبعض استخدامات الطاقات الطبيعية. فعلى سبيل المثال: عندما تم استعمال طواحين الرياح في هولندا منذ مئات السنين – أي قبل وجود الكهرباء – لضخ المياه من الأراضي التي استقطعوها من البحر لتجفيفها، كانت خير عون لسكان هذه المناطق طالما تجاوزت طاقة الضخ سرعة تسرب المياه المالحة إلى الأراضي المنخفضة عن سطح البحر، ولم تكن ثمة حاجة للإمداد حسب الطلب طالما كانت تقلبات الرياح في حدود المقبول لاستمرار تجفيف الأراضي. كذلك تغفل هذه النظرة المبسطة توافق الإمداد الطبيعي للكهرباء من الخلايا الضوئية مع نمط الاستخدام اليومي، مثلًا لتشغيل معدات التكييف في المنازل والمكاتب فيكون منحنى إمداد الكهرباء متوافقًا إلى حد كبير مع الطلب
الإتاحية Availability
هذه تحدد نسبة استعدادية المُعّدة للقيام بوظيفتها. بمعنى خصم ساعات التعطل والصيانة الدورية من ساعات السـنة وقسمتها على ساعات السنة، وقيمتها عادةً حوالي ٩٨٪ للمعدات الميكانيكية.
معامل الأداء Performance Factor
وهذه تسمية جديدة تجمع مُعامل التحميل ومُعامل الإمداد والإتاحية في عدد واحد. لذلك هي تقابل التعبير الإنجليزي Capacity Factor الذي لا يفرق بين مُعاملي التحميل والإمداد. وهي نسبة الطاقة المُنتجة فعليًا في السنة إلى الطاقة المفترضة لو أنتجت المُعّدة طاقتها الإسمية طول السنة
وعند تطبيق هذه المصطلحات على المعدات التقليدية، نجد أنه بافتراض الإمداد المنتظم بالوقود يكون العامل المحدد هو التحميل والإتاحية وبذلك يتراوح مُعامل الأداء بين ٦٥٪ و ٨٠٪ تبعًا لموقع المُعّدة وارتباطها بالشبكة علمًا بأن مشغّل الشبكة يحتاج لقدرة احتياطية بمقدار ٢٠٪ إلى ٢٥٪ لمقابلة الطوارئ مثل تعطل مفاجئ لإحدى الوحدات أو حمل ذروة أعلى من المتوقع مثل إرسال تلفزيوني لحدث مهم كموكب المومياوات المصرية، وهنا يجب أن تولد الوحدات الاحتياطية قدرتها القصوى في أقصر وقت ممكن لتفادي انقطاع التيار الكهربائي
هانئ محمود النقراشي




























