صرّح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في السابع عشر من إبريل الماضي، أن سفر الأطباء والمهندسين وغيرهم من الكفاءات المصرية للعمل بالخارج ليس عيبًا، بل يمثل مصدرًا مهمًا للدخل بالعملة الصعبة لمصر، ولا تُعد هناك مشكلة إلا إذا حدث نقص في أعداد هذه التخصصات داخل البلاد، وهو ما لم يحدث. هذا التصريح يفتح الباب أمام نقاش جوهري يتعلق بكيفية إعداد وتأهيل الكوادر المصرية بحيث تصبح مؤهلة عالميًا، قادرة على المنافسة في الخارج، ومصدرًا دائمًا للعملة الصعبة التي تنعش الاقتصاد الوطني.
التجربة الهندية في هذا المجال ملهمة للغاية. فالهند استطاعت أن تبني قوة بشرية هائلة في دول الخليج، حيث يقدر عدد الهنود وعائلاتهم هناك بنحو 9.6 ملايين شخص، وقدرت تحويلاتهم من دول الخليج فقط بأكثر من 38 مليار دولار في السنة المالية 2023/2024، بينما بلغ إجمالي تحويلات الهنود من مختلف أنحاء العالم 129 مليار دولار تمثل 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي. لقد تحولت العمالة الهندية إلى رافد رئيسي للدخل القومي، وهو ما يمكن لمصر أن تحققه إذا تبنت رؤية واضحة ومتكاملة.
البيانات الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي المصري تشير إلى ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 77% خلال عشرة أشهر فقط (يوليو 2024 – أبريل 2025) لتصل إلى 29.4 مليار دولار مقابل 16.6 مليارًا في الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يعادل نحو 36 مليار دولار سنويًا. هذه الأرقام تؤكد أن لدينا القدرة على مضاعفة التحويلات إذا تم الاستثمار الجاد في العنصر البشري. ولو وُضعت خطة واضحة يمكن أن نصل إلى 60 مليار دولار خلال عام، ثم 100 مليار دولار بحلول 2027.
النقطة الجوهرية هنا أن البداية الحقيقية تكمن في التدريب. على الشركات الكبرى في مجالات البترول والكهرباء والمياه والمقاولات والقطاع الصحي أن تؤهل موظفيها منذ اليوم الأول للعمل من خلال دورات اللغة الإنجليزية والكورسات التخصصية المعترف بها دوليًا. ولا يصح أن يُحرم الموظف من التدريب بحجة أنه قد يسافر بعد حصوله على الكورس، فالفائدة هنا مزدوجة: الشركة تستفيد من كفاءته أثناء عمله، والدولة تستفيد من تحويلاته إذا سافر. وهكذا تتحقق مصلحة مصر العليا.
إدارات التدريب مطالبة بأن تضع خططًا طموحة لاختيار الكورسات المؤهلة فعلًا لسوق العمل العالمي، وأن تركز على الكفاءات ذات القيمة المضافة مثل المهندس والطبيب والمحاسب، لأن سفر مؤهل واحد يعادل أضعاف قيمة سفر عمالة غير مدربة. كما أن الجامعات المصرية مطالبة بدورها بإدماج الكورسات العالمية المتخصصة في السنوات الأخيرة من الدراسة، بحيث يتخرج الشاب المصري مستعدًا للمنافسة في السوق العالمي منذ اليوم الأول.
الخلاصة أن سفر الكفاءات المؤهلة ليس خسارة لمصر، بل هو فرصة لزيادة الدخل القومي بشكل غير مسبوق. وإذا أحسنا الاستثمار في التدريب والتأهيل، يمكننا أن نضاعف تحويلات المصريين بالخارج، ونقترب من حلم الوصول إلى 100 مليار دولار سنويًا بحلول 2027. إنها ليست مهمة فردية، بل مشروع وطني يتطلب وعيًا وتخطيطًا وجهدًا منظمًا، يضع مصلحة مصر في المقدمة.
طارق فرغلي – مدير عام شركة بترول بلاعيم – محاضر دولي واستشاري الحماية الكاثودية والتآكل






























