تقف المنصة البحرية شامخة كانها مدينة صناعية معلقة بين السماء والماء .. منظرها من بعيد يبعث الدهشة . لكن عند الاقتراب يظهر عالم اخر.. عالم مليء بالاسرار يعيش فيه رجال البترول حياة لا تشبه اي حياة.من اسفل المنصة البحريه …. ومن سطح البحر يمتد العمق ليصل احيانا الى خمسين مترا او اكثر حيث خطوط الانتاج تحت الماء .
تدور الاسماك في صمت وتبحر المراكب من بعيد مشهد قد يبدو شاعريا لكنه في بعض الاوقات يبعث الرهبة. فظلام البحر وصوت الموج حين يهيج ممزوجا باصوات المواتير يصنع سيمفونية ثقيلة على القلب كانها تذكير دائم بان البحر هو صاحب القرار الاخير.الوقت هنا يمر بطريقة مختلفة يوم العامل يعادل يومين على البر .

فبعد انتهاء الوردية يجتمع العمال معا يضحكون لكن ضحكهم قصير ومتوتر يخفي قلقا دفينا من اي اهتزاز او صوت غير مالوف . حتى الفرح على المنصة البحرية محكوم بايقاع البحر .في عز الشتاء القارس قد يبدأ بئر جديد في العمل . يقف العامل في مواجهة الرياح القاسية مرتديا كامل معدات الوقاية يتشبث بارض المنصة كانه يتشبث بالحياة نفسها منتظرا لحظة دخول البئر الى الانتاج .
لحظة صغيرة في عيون الناس لكنها عنده تساوي الكثير .. شهادة جديدة على صبره وصموده تشبه فرحته بأول طفل ولد للتو من رحم زوجته .الحياة على المنصة البحرية لا تقتصر على العمل فقط.. هناك مطبخ يقدم وجبات وكرفانات ضيقة للنوم واماكن عمل لا تهدأ .. لكن الاخطر ان اي طارئ كحريق او عطل قد يعزل المنصة تماما .. فالطائرات قد يمنعها الطقس والسفن قد تتأخر بسبب علو موج البحر .. ليجد العمال انفسهم اياما بلا ماء او طعام كاف يواجهون غدر البحر وحدهم .على جانب كل منصة بحرية يعلق *لايف بوت* ليس مجرد قارب بل (نجاة) لكل عامل فهو اخر ما يتمسك به اذا قرر البحر ان يثور مجرد النظر اليه يذكره ان كل شيء قد ينقلب في لحظة .انها حياة قاسية مليئة بالتحديات والرهبة .. لكنها في الوقت نفسه حياة ملهمة .
حياة تصنعها عزيمة رجال يعرفون ان كل دقيقة يقضونها هنا تضيء و تحرك الوطن للامام …. تكتب في سجل وطن يبني اقتصاده من قلب البحر .. رجال لا تراهم العيون لكن اثرهم يضيء البر والمدينة .
انها حياة لا يفهمها ويقدرها الا من عاشها .. انها حياة رجال البترول علىالمنصات البحرية والامور الخفية كاتب المقال طارق عبدالرازق العلاقات العامة شركة بترول بلاعيم.




























