في إحدى الجلسات، وبين حديث عابر عن أوضاع الطاقة، قال لي أحد الأصدقاء: “المشكلة ليست في نقص الكهرباء… بل في كيف نراها” توقفت عند الجملة، لأنها ببساطة تلخص مشهدًا معقدًا نعيشه اليوم.
في مقالات سابقة، تحدثنا عن كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة باعتبارهما الطريق الأقصر لتقليل فاتورة الوقود وتحقيق أمن طاقي حقيقي. لكن الواقع يقول إن هذين المسارين، يُنظر إليهما على استحياء كأنهما “تهديد وليس فرصة”.
نحن أمام منظومة تبدو متماسكة من الخارج، لكنها في الداخل تحمل تناقضًا صامتًا. شركات الإنتاج تمتلك قدرات كبيرة، وربما أكثر مما تحتاجه الأحمال الفعلية على مدار العام ، لكنها لا ترغب في أن يظهر هذا الفائض بوضوح .
وفي المقابل، تقف شركات التوزيع وهي تحاول أن تبيع أكثر، لأن زيادة المبيعات تعني زيادة الإيرادات. وفي منتصف هذا المشهد، تقف كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية بين فكى رحى، كضيف غير مرحب به ، لأنها ببساطة لسان حالها يقول: “يمكننا أن نقلل الاستهلاك”.
وهنا تبدأ المفارقة… كيف يمكن أن يتحول الحل إلى عبء؟
وسط هذا التناقض، يظهر حل يبدو سهلًا وسريعًا رفع أسعار الكهرباء في سوق أقرب إلى الاحتكار الطبيعي، يصبح السعر أداة جاهزة لإدارة التوازن. كلما ارتفعت التكلفة، يتم تمريرها إلى المستهلك.
وقد شهدنا ذلك بالفعل مع تطبيق زيادات التعريفة اعتبارًا من الأول من أبريل الجارى، حيث أصبحت الشرائح في النشاط التجاري تبدأ من أول كيلووات ساعة، بينما في القطاع المنزلي، ومع الاستهلاك المرتفع (1000 ك.و.س أو أكثر)، يتم احتساب الاستهلاك من أول كيلووات ساعة أيضًا.
قد يبدو هذا الحل منطقيًا من زاوية مالية على الرغم انه لا يغطى التكلفة في ظل سوق ذو مخاطر جيوسياسية وحروب، لكنه في الحقيقة يعالج العرض ولا يقترب من جوهر المشكلة. فبدلًا من تقليل التكلفة من المصدر، يتم تحميلها بالكامل على المستهلك.
وبدلًا من تقليل استهلاك الوقود، نكتفي بإعادة توزيع عبء التكلفة. أتذكر هنا إعلانًا سابقًا لوزير الكهرباء الأسبق، حين تحدث عن خطة لإنهاء الدعم خلال خمس سنوات عبر هيكلة الأسعار.
كانت الفكرة في ظاهرها واضحة: الوصول إلى تكلفة حقيقية للطاقة لكن ما لم يُؤخذ في الاعتبار هو أن التكاليف نفسها ليست ثابتة. الوقود يتغير سعره، وسعر الصرف يتغير، والظروف العالمية تتقلب.
وكأن الخطة افترضت أن الزمن سيتوقف عند نقطة البداية، وهو ما لم يحدث. ومع مرور الوقت، تأخر تطبيق القانون لتحرير سوق الطاقة 87 لسنة 2015 ، ورحل الوزير، وبقيت المشكلة كما هي، بل أكثر تعقيدًا.
في هذا السياق، يصبح رفع الأسعار حلًا متكررًا… لكنه ليس حلًا جذريًا. لأنه ببساطة لا يغير من هيكل المنظومة، ولا يعالج تضارب المصالح داخلها.
تذكرت حينها ما حدث في بعض دول الخليج كانت الصورة هناك قريبة جدًا مما نراه، استهلاك مرتفع واعتماد كبير على الوقود الأحفوري. لكنهم اختاروا طريقًا مختلفًا. لم يكتفوا برفع الأسعار، بل عملوا على تقليل الاستهلاك من الأساس استثمروا في كفاءة الطاقة، واعتبروها مصدرًا للطاقة بحد ذاته كل كيلووات يتم توفيره يعادل إنتاجه.
وفي نفس الوقت، فتحوا الباب للطاقة الشمسية، لأنها ببساطة أصبحت أرخص من كثير من مصادر التوليد التقليدية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا نلجأ إلى الحل الأصعب على المواطن، قبل أن نستنفد الحلول الأذكى على مستوى المنظومة؟
لدينا في مصر شمس لا تغيب، وفرص هائلة لتحسين كفاءة الطاقة في المباني والصناعة والشبكات.
ولدينا واقع يقول إن تكلفة الوقود تمثل الجزء الأكبر من عناصر تكلفة الكهرباء، وأن كل وحدة طاقة نوفرها تعني تخفيفًا مباشرًا على ميزانية الدولة وان كل كيلو وات ساعة ينتج عند المستهلك النهائي من الطاقة الشمسية يعادل 3 كيلو وات ساعة من الوقود الداخل للمحطات. ومع ذلك، ما زلنا نتحرك ببطء، وكأننا نؤجل القرار. الحقيقة التي لا نحب أن نواجهها، أن رفع الأسعار في سوق احتكارية هو الأسهل إداريًا، لكنه ليس الأفضل اقتصاديًا للدولة. هو حل سريع، لكنه لا يبني مستقبلًا. بينما كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية قد تحتاجان إلى جهد وتخطيط، لكنهما تعالجان أصل المشكلة، لا أعراضها.
القضية في النهاية ليست صراعًا بين الشمس والمحطات، ولا بين الكفاءة والإيرادات، بل هي مسألة رؤية ومنظومة تراعى مصلحة الوطن على مصلحة ضيقة للشركة. هل نكتفي بإدارة الأزمة، أم نبحث عن حل جذري؟ ربما نعود مرة أخرى إلى جملة الصديق… المشكلة ليست في الكهرباء، بل في كيف نراها برؤية استراتيجية.
ولو تغيرت طريقة الرؤية، فلن نحتاج كل مرة إلى رفع السعر… بل سنحتاج أن نحسن إدارة المورد ونطبيق القانون الذى يعتبر كأنه لم يصدر بعد عقد من الزمان.
د. م. محمد سليم سالمان استشارى الطاقة والاستدامة القاهرة 5/ 4/ 2026




























