لا أحد يختلف مع الدكتور محمد فؤاد أو أي خبير واقتصادياً في حقه الأصيل بنقد أداء وزارة البترول والثروة المعدنية. فالنقد الموضوعي ضرورة حتمية لقطاع استراتيجي يمس الأمن القومي، وفاتورة الاستيراد، والاحتياطي الأجنبي. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين النقد العلمي وبين بناء اتهام كامل بـ «البروباجندا» استنادًا إلى قراءة انتقائية للبيانات.
القصة بدأت حين اعتبر د. فؤاد أن الأخبار الإيجابية حول توقعات شركة “بي بي” (BP) في مصر مجرد “تلميع إعلامي”، مستندًا إلى تقرير نشره موقع MEES في مايو 2026 بعنوان “BP Plans Egypt Asset Sale As Output Declines”. غير أن المراجعة التدقيقية للوثائق والتقارير الرسمية تكشف أن المشهد أكثر تعقيدًا وتوازنًا مما طُرِح.
أولًا: ماذا قال تقرير MEES حقيقةً؟
التقرير تحدث بالفعل عن استطلاع BP لاهتمام بعض الشركات بشراء “بعض” أصولها القديمة، في إطار إعادة هيكلة استراتيجية أعلنتها الشركة عالميًا وليس في مصر وحدها. لكن التقرير لم يذكر إطلاقًا وجود “خروج نهائي” أو تخلي الشركة عن السوق المصري، بل أكد صراحةً أن أصول مشروعها المشترك Arcius Energy لم تكن مطروحة للبيع. وفي العدد نفسه، رصد التقرير ارتفاع إنتاج مصر من الزيت الخام إلى 523.6 ألف برميل يوميًا، مع الإشارة لتراجع إنتاج الغاز، مما يعني أن المصدر نفسه يقدم صورة متوازنة لا سوداوية.
ثانيًا: إفصاحات BP الرسمية تنفي تهمة “البروباجندا”
البيانات الإيجابية عن أنشطة BP لم تكن “اختراعًا محليًا”، بل أدرجتها الشركة بنفسها ضمن بند “التقدم الاستراتيجي” (Strategic Progress) في تقرير الربع الأول لعام 2026 المودع لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC):
امتياز البحر الأحمر: توقيع مذكرة تفاهم في مارس 2026 مع شركة “جنوب الوادي” للقطاع رقم 6 (تمت في مؤتمر EGYPES بحضور قيادات القطاع).
كشف Denise W-1: الإعلان في أبريل 2026 عن كشف واعد للغاز والمتكثفات بامتياز “تمساح” (تقديرات أولية بـ 2 تريليون قدم مكعب غاز و130 مليون برميل متكثفات)، يعقبه الاتفاق على تمديد الامتياز لـ 20 عامًا.
مشروع Harmattan: اتخاذ شركة Arcius قرار الاستثمار النهائي (FID) لتطوير الحقل بامتياز البرج البحري، وبدء الخطوات التنفيذية وتوقيع عقود التركيبات البحرية بالفعل.
حقل Nidoco N-2: تحقيق كشف غازي بالدلتا (بإدارة إيني وشراكة BP) بإنتاج مقدر بنحو 50 مليون قدم مكعب يوميًا، وإدراج BP للحدث في تقاريرها.
ثالثًا: طبيعة سوق الطاقة وحقيقة التحديات
تتطلب أمانة الطرح عدم إنكار الأزمات؛ فـ إنتاج الغاز المصري شهد تراجعًا ملموسًا وسجل في الربع الأول من 2026 نحو 3.98 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو أدنى مستوى خلال عشر سنوات. كما أن بعض الأصول القديمة لـ BP شهدت انخفاضًا طبيعيًا في الإنتاج.
لكن شركات الطاقة العالمية تعمل بمنطق إعادة تدوير رأس المال (Capital Recycling): تبيع أصلًا متقادمًا لتضخ استثمارًا في اكتشاف جديد أعلى عائدًا. وطرح بعض الأصول للبيع لا يعني فقدان الثقة في الاقتصاد المصري، بدليل التوسع بالتوازي في مشروعات أخرى.
الخلاصة
النقد واجب والمساءلة حول تراجع إنتاج الغاز وفاتورة الاستيراد حق مكفول للجميع. لكن ليس من الإنصاف اقتطاع أخبار البيع وتجاهل الاستثمارات الجديدة والاكتشافات المعلنة من الشركات العالمية نفسها، ثم وصم القطاع بـ “البروباجندا”.
الوثائق والأرقام هي الحاكم الوحيد: هناك تراجع في إنتاج أصول قديمة يتطلب العلاج، وفي الوقت نفسه هناك استثمارات واكتشافات جديدة وقرارات تنمية مؤكدة. الميزان الحقيقي المعتمد هو الواقع والرقم والوثيقة.
رأي باور نيوز






























