عندما اجتازت الشبكة الكهربائية المصرية أحمالًا غير مسبوقة وصلت إلى نحو 40 ألف ميجاوات، تذكرت على الفور الإنجازات الكبيرة التي تحققت خلال فترة تولي الدكتور محمد شاكر المرقبي مسؤولية وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة.
لم يكن الدكتور محمد شاكر مجرد وزير تولى حقيبة من حقائب الدولة، وإنما كان رجلًا حمل مسؤولية قطاع شديد الحساسية في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها منظومة الكهرباء المصرية.
وكان من اللافت في شخصيته أنه كان عف اللسان، هادئ الطبع، واسع الصدر، لا يتعصب على من حوله، ولا يغلق بابه أمام الرأي الآخر.وكان يبدأ يومه في وقت مبكر، وكثيرًا ما يبدأ عمله في السابعة صباحًا ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، في متابعة تفاصيل قطاع الكهرباء ومشروعاته، من التوليد إلى النقل والتوزيع، وكأنه يدير معركة يومية لإعادة بناء منظومة كانت تحتاج إلى جهد استثنائي.
من العجز إلى الكفاية
عندما تولى الدكتور شاكر مسؤولية الوزارة عام 2014، كانت مصر تواجه أزمة كهرباء حادة وانقطاعات متكررة، وكان قطاع الكهرباء في حاجة إلى تدخل عاجل وشامل.
ومن هنا بدأت واحدة من أكبر عمليات إعادة بناء وتحديث منظومة الكهرباء المصرية، من خلال خطة عاجلة لزيادة قدرات التوليد، بالتوازي مع تطوير شبكات النقل والتوزيع، وإنشاء محطات ومحولات وخطوط جديدة على مختلف الجهود.
ولم تكن القضية مجرد إضافة قدرات توليد، وإنما بناء منظومة متكاملة تستطيع نقل الطاقة من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك بكفاءة واستقرار.وشهدت الشبكة القومية خلال تلك السنوات توسعًا كبيرًا في محطات المحولات وخطوط النقل، خاصة على جهد 500 كيلوفولت، إلى جانب تدعيم الربط بين مختلف مناطق الجمهورية.
ومن الإنجازات المهمة التي ارتبطت بتلك المرحلة أيضًا إنشاء وتدعيم محور كهربائي موازٍ أسهم في توفير مصادر إضافية للتغذية، وخاصة في صعيد مصر، بما عزز من مرونة الشبكة وقدرتها على مواجهة الأحمال.
شبكة قادرة على مواجهة الأحمال القياسية
واليوم، عندما نرى الشبكة المصرية تستوعب أحمالًا قياسية غير مسبوقة، وتواصل تلبية احتياجات المواطنين والمشروعات القومية في ظل التوسع العمراني والصناعي الكبير، فإن جزءًا مهمًا من هذا الواقع هو نتاج عملية البناء والتحديث التي بدأت منذ تولي الدكتور محمد شاكر مسؤولية الوزارة.
لقد تحولت الشبكة من منظومة تعاني اختناقات وأزمات متكررة إلى شبكة أكثر قوة ومرونة وقدرة على استيعاب النمو المتزايد في الطلب على الكهرباء.
وهنا لا يمكن النظر إلى ما تحقق باعتباره مجرد أرقام في قدرات التوليد، وإنما باعتباره بنية تحتية استراتيجية أصبحت واحدة من أهم ركائز التنمية في الدولة المصرية.
رجل دولة قبل أن يكون وزيرًا
لكن الحديث عن الدكتور محمد شاكر لا يكتمل بالحديث عن المحطات والخطوط والقدرات الكهربائية فقط.فهناك جانب إنساني في شخصية الرجل ربما لا يأخذ حقه من الحديث.
كان الدكتور شاكر عف اللسان، لا يتعصب، ولا ينفعل بسهولة، ويتعامل مع من حوله بهدوء واحترام.
وكان يستمع إلى الرأي الآخر، حتى عندما يكون هذا الرأي نقدًا لسياسات الوزارة أو أداء القطاع.
وأشهد أنني، كصحفي، كنا ننتقد بعض الملفات بهدف البناء والتصحيح، ولم يكن الدكتور محمد شاكر يغضب من النقد أو يغلق الباب في وجه صحفي بسبب اختلاف في الرأي. بل كان يستمع، ويناقش، ويتقبل النقد بسعة صدر.
وهذه ليست صفة عابرة في مسؤول، وإنما هي إحدى علامات المسؤول الذي يثق في عمله ويؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة.
النزاهة قبل الإنجاز
ومن الأمور التي تستحق الإشارة أيضًا أن الدكتور محمد شاكر، منذ توليه مسؤولية الوزارة، حرص على الفصل بين موقعه الوزاري وأعماله الخاصة، وأعلن ابتعاد شركته شاكر جروب عن التعامل مع وزارة الكهرباء وشركاتها، كما حرص على عدم وجود أي تضارب للمصالح يتعلق بأسرته.كما أن الرجل، بحسب ما عُرف عنه، لم يكن يتعامل مع منصب الوزير باعتباره مكسبًا شخصيًا، وظل يعمل طوال سنوات توليه المسؤولية بروح من يؤمن بأن خدمة الدولة مسؤولية قبل أن تكون وظيفة.شهادة للتاريخلقد تحمل الدكتور محمد شاكر مسؤولية قطاع الكهرباء في مرحلة صعبة، وكان عليه أن يتعامل مع آثار أزمة كبيرة، ثم يقود عملية إعادة بناء شاملة للقطاع.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن وراء الاستقرار الذي نراه اليوم سنوات من العمل الشاق والتخطيط والتنفيذ والاستثمار في البنية التحتية.قد نختلف مع وزير، وقد ننتقد قرارًا أو سياسة، وهذا حق أصيل للصحافة والرأي العام، لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نعترف بالإنجاز عندما يتحقق.
ولهذا، فإن الدكتور محمد شاكر المرقبي سيظل اسمًا بارزًا في تاريخ الكهرباء المصرية الحديثة؛ رجلًا ارتبط اسمه بمرحلة انتقلت فيها منظومة الكهرباء من أزمة وعجز وانقطاعات متكررة إلى قدرات كبيرة وشبكة أكثر قوة واستقرارًا واعتمادية.وربما تكون أجمل شهادة لهذا الرجل اليوم، أن نرى الشبكة المصرية تواجه أحمالًا قياسية تتجاوز 40 ألف ميجاوات، فنعود بالذاكرة إلى السنوات التي بدأ فيها بناء هذه المنظومة.
تحية تقدير للدكتور محمد شاكر.. الوزير الذي لم يكن كثير الكلام، لكنه ترك وراءه إنجازًا تتحدث عنه الشبكة الكهربائية المصرية كل يوم.






























