أعاد الإعلان عن خفض إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر بنحو 50% بصورة مؤقتة ملف أمن الطاقة المصري إلى الواجهة مجددًا. فالمعلن أن الخفض مرتبط بأعمال صيانة، لكن الأهم من مدة التوقف هو ما يكشفه الحدث من ارتفاع حساسية منظومة الطاقة المصرية تجاه أي اضطراب في مصدر خارجي أصبح مؤثرًا في توازن الغاز المحلي.
وتوضح الأرقام حجم التحول الذي شهده قطاع الغاز المصري؛ فقد انخفض إنتاج مصر من الغاز الطبيعي من أكثر من 6 مليارات قدم مكعب يوميًا في مطلع عام 2021 إلى نحو 3.5 مليارات قدم مكعب يوميًا في أبريل 2025، أي بتراجع يتجاوز 40% تقريبًا.
وفي المقابل، ارتفع الاعتماد على الاستيراد، وعادت مصر إلى شراء شحنات الغاز الطبيعي المسال منذ عام 2024 لسد جانب من الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وقد نوهت في مقالات سابقة إلى أن استمرار انخفاض الإنتاج المحلي، دون تعويضه بالسرعة الكافية، يؤدي عمليًا إلى تعظيم دور الغاز الإسرائيلي في مزيج الطاقة المصري.
وقد مثل الغاز الإسرائيلي في بعض الفترات نحو 20% من إجمالي استهلاك الغاز المصري، ونحو 60% من إجمالي واردات الغاز.وتجعل هذه النسب أي توقف في الإمدادات مسألة تتجاوز حدود قطاع البترول إلى الصناعة والكهرباء والاقتصاد ككل.
ففي يونيو 2025، أدى توقف الإمدادات الإسرائيلية نتيجة التطورات العسكرية إلى توقف بعض مصانع الأسمدة، واضطرت محطات الكهرباء إلى زيادة استخدام المازوت كوقود بديل، في الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل أن احتياجاتها المحلية لها الأولوية قبل التصدير.
وهنا تتضح قاعدة أساسية في مفهوم أمن الطاقة: أرخص مصدر ليس بالضرورة أكثر المصادر أمنًا.فسعر الغاز الحقيقي لا ينبغي أن يُحسب فقط بالدولار لكل مليون وحدة حرارية عند المنبع، وإنما يجب أن تضاف إليه تكلفة مخاطر الانقطاع، واللجوء إلى الوقود البديل، وشراء شحنات الغاز الطبيعي المسال، وإعادة التغويز والنقل، وتكلفة العملة الأجنبية، فضلًا عن الآثار المحتملة على الصناعة وقطاع الكهرباء.
وقد ظهر حجم هذه التكلفة بالفعل؛ ففي يونيو 2026 استوردت مصر نحو 1.06 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وحدها خلال شهر واحد، لتصبح مصر أكبر مستورد للغاز في منطقة الشرق الأوسط، وسط سوق عالمية شديدة المنافسة وعلاوات سعرية تدفعها الدول للوصول إلى الشحنات المتاحة.
حصار غاز وحصار مياه
يصبح المشهد أكثر حساسية عند النظر إلى أمن الطاقة بالتوازي مع أمن المياه.
فمصر تعتمد بصورة رئيسية على مياه نهر النيل القادمة من خارج حدودها، وفي الوقت نفسه أصبح جزء مهم من احتياجات الطاقة مرتبطًا بإمدادات تأتي من الخارج.
ولا يعني ذلك أن هناك «حصارًا» واقعًا بالفعل على مصر، وإنما يعكس وجود مخاطر استراتيجية متزامنة تتعلق باثنين من أهم عناصر الأمن القومي: المياه والطاقة، خصوصًا في ظل الظروف الجيوسياسية المضطربة التي تشهدها المنطقة.
ومن هنا فإن تعظيم الإنتاج المحلي من الغاز، خاصة بعد سداد كامل المديونية للشريك الأجنبي، والتوسع السريع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المصحوبة بأنظمة تخزين الكهرباء BESS، وتحسين كفاءة الطلب ومحطات توليد الكهرباء، وخفض الفقد وسرقات التيار، وتطوير مشروعات الربط الكهربائي، ودخول الطاقة النووية، وتنويع مصادر الاستيراد، لم تعد مجرد اختيارات فنية أو اقتصادية، وإنما أصبحت عناصر أساسية لبناء مناعة استراتيجية للدولة.
إن خفض إمدادات الغاز الإسرائيلي بنسبة 50%، حتى وإن كان مؤقتًا ومرتبطًا بأعمال صيانة، يمثل اختبارًا واقعيًا لمرونة منظومة الطاقة المصرية.
ولا أستبعد أن يكون مثل هذا التطور، من الناحية الاستراتيجية، فرصة لقياس مدى قدرة قطاع الطاقة المصري على التعامل مع اضطرابات مفاجئة في أحد مصادر الإمداد الخارجية.
والدرس الأهم أن أمن الطاقة لا يتحقق بمصدر واحد مهما كان اقتصاديًا أو قريبًا، وإنما من خلال تنويع حقيقي لمصادر الطاقة، وتعظيم الإنتاج المحلي، ورفع كفاءة الاستهلاك، وبناء قدرات تخزين واحتياطيات استراتيجية، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والنووية.
وعندما تتقاطع مخاطر المياه والطاقة، يصبح تنويع المصادر وتعظيم الاعتماد على الموارد الوطنية قضية أمن قومي قبل أن تكون مجرد قضية تكلفة أو اقتصاد.
د.م. محمد سليم سالماناستشاري الطاقة والطاقة المتجددةالقاهرة في 23/8/2026






























