الدول لا تثبت حضورها خارج حدودها بالكلمات، بل بما تستطيع أن تبنيه وتتركه شاهدًا على قدراتها. فالمشروعات الكبرى ليست مجرد منشآت هندسية تُقام لتحقيق أهداف اقتصادية أو تنموية، وإنما يمكن أن تتحول إلى أدوات تعكس قوة الدولة، وقدرة مؤسساتها وشركاتها وكوادرها على المنافسة والعمل في الأسواق الدولية.
ويأتي سد ومحطة «جوليوس نيريري» للطاقة الكهرومائية في تنزانيا ليجسد نموذجًا قويًا للحضور المصري في إفريقيا، ويؤكد أن الخبرة المصرية أصبحت قادرة على المشاركة في تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى تتجاوز حدود الوطن، وتحمل في تفاصيلها رسالة واضحة عن قدرة مصر وشركاتها على الإنجاز في أصعب الظروف وأكثر المشروعات تعقيدًا.
هذا المشروع لا يمثل فقط إضافة مهمة إلى منظومة الطاقة في تنزانيا، وإنما يعكس كذلك قيمة الشراكة المصرية التنزانية، ويؤكد أن التعاون بين الدول يمكن أن يتجاوز العلاقات التقليدية إلى شراكات حقيقية تقوم على التنمية ونقل الخبرات وبناء القدرات وتحقيق المصالح المشتركة.
وفي هذا المشهد، تمثل شركة «السويدي إليكتريك» نموذجًا بارزًا لقدرة الصناعة المصرية على الانطلاق إلى الأسواق الإفريقية والدولية، من خلال خبراتها المتراكمة في مشروعات الطاقة والبنية التحتية والحلول المتكاملة، وما تمتلكه من كوادر قادرة على تنفيذ المشروعات الكبرى وفق معايير تنافسية دولية.
وهنا تتغير دلالة شعار «صُنع في مصر»؛ فلم يعد الأمر مرتبطًا فقط بمنتج يحمل اسم مصر، وإنما أصبح يمتد إلى الخبرة والمعرفة والقدرة على التخطيط والتنفيذ وإدارة المشروعات الكبرى في أسواق مختلفة. فحين تنتقل الخبرة المصرية إلى الخارج، فإنها تحمل معها اسم الصناعة المصرية وسمعتها وقدرتها على المنافسة.
وما تحقق في تنزانيا يؤكد أن الشركات المصرية تستطيع أن تكون أحد أهم أدوات القوة الاقتصادية الناعمة لمصر في القارة الإفريقية. فنجاح شركة مصرية في تنفيذ مشروع استراتيجي خارج الحدود لا يفتح فقط سوقًا جديدة أمامها، وإنما يفتح الطريق أمام شركات أخرى، ويعزز الثقة في المنتج والخبرة المصرية، ويدعم فرص إقامة شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة.
إن إفريقيا ليست مجرد سوق أمام الشركات المصرية، بل شريك في التنمية ومستقبل اقتصادي يجب أن نبنيه معًا. والقارة تمتلك احتياجات ضخمة في مجالات الطاقة والنقل والمياه والبنية التحتية والصناعة، وهي مجالات تمتلك الشركات المصرية خبرات طويلة ومتراكمة تمكنها من تقديم حلول حقيقية تتناسب مع احتياجات دول القارة.
ومن هنا، فإن التوسع المصري في إفريقيا يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد نشاط تجاري أو بحث عن فرص استثمارية، وإنما باعتباره جزءًا من رؤية أوسع تقوم على بناء علاقات اقتصادية مستدامة، وتحويل الخبرات والإمكانات المصرية إلى جسور للتعاون والتنمية.
كما أن مشروعات بهذا الحجم تؤكد أهمية الاستثمار في العنصر البشري. فالمشروع الكبير لا يُبنى بالآلات وحدها، وإنما يبنيه المهندس والفني والعامل ومدير المشروع وكل عنصر يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على التعامل مع التحديات. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تخرج به الشركات المصرية من هذه التجارب ليس فقط المشروع الذي تم إنجازه، وإنما الكوادر التي اكتسبت خبرات جديدة وأصبحت أكثر قدرة على تنفيذ مشروعات مماثلة وأكبر في المستقبل.
إن بناء هذه الخبرات وتراكمها يمثل استثمارًا طويل الأجل في قوة الصناعة المصرية. فكل مشروع ناجح خارج الحدود يضيف إلى رصيد الخبرة المصرية، وكل تحدٍ يتم تجاوزه يتحول إلى معرفة يمكن البناء عليها، وكل شراكة ناجحة تفتح أبوابًا جديدة أمام الشركات المصرية.
وما نشهده في تنزانيا يؤكد أن قوة مصر الحقيقية لا تكمن فقط فيما تنتجه داخل حدودها، وإنما فيما تستطيع شركاتها وكوادرها أن تصنعه من أثر خارجها. فالمشروع الذي يُقام في دولة أخرى يمكن أن يصبح عنوانًا للثقة في القدرات المصرية، ودليلًا على أن مصر تمتلك شركات قادرة على المنافسة والعمل في الأسواق الدولية.
وفي النهاية، فإن سد ومحطة «جوليوس نيريري» ليسا مجرد مشروع للطاقة، بل شهادة على قدرة المصريين على تحويل المعرفة والخبرة والإصرار إلى إنجاز ملموس. وهو نموذج لما يمكن أن تصنعه الشراكة بين الدول حين تقوم على العمل والثقة وتبادل الخبرات، ونموذج لما يمكن للصناعة المصرية أن تقدمه للقارة الإفريقية.
فحين تصل الصناعة والخبرة المصرية إلى قلب إفريقيا، لا نكون أمام مشروع جديد فقط… بل أمام مكانة جديدة لمصر.
د. عمرو إبراهيم
مدير الإمداد بشركة السويدي كابلات






























