تكشف مؤشرات الأداء الفني لمحطات شركتي القاهرة وشرق الدلتا لإنتاج الكهرباء خلال العام المالي 2024/2025 عن تفاوت كبير بين محطات حديثة تحقق كفاءة مرتفعة واستغلالًا جيدًا للقدرات، ووحدات أخرى منخفضة الكفاءة أو محدودة التشغيل، فضلًا عن محطات لم تنتج كهرباء طوال العام، بل سحبت طاقة من الشبكة لتغطية خدماتها المساعدة.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغ متوسط الكفاءة الحرارية لشركة القاهرة نحو 46.89%، ومعدل استهلاك الوقود 187.13 جم/ك.و.س، ومعامل السعة 40.14%، مقابل كفاءة حرارية بلغت 43.21% لشركة شرق الدلتا، واستهلاك وقود بلغ 202.57 جم/ك.و.س، ومعامل سعة 39.22%.
لكن المتوسط العام لا يكشف الفروق الكبيرة بين المحطات والوحدات، ولذلك فإن التقييم الأكثر دقة يجب أن ينتقل من مستوى الشركة ككل إلى تقييم كل محطة وكل وحدة إنتاج على حدة.
وهذا التقرير يأتي ضمن سلسلة من التقارير التي تتناول في كل مرة مؤشرات الأداء لشركتين من شركات إنتاج الكهرباء، بهدف قراءة الأرقام بصورة فنية واقتصادية تساعد على تكوين رؤية أكثر وضوحًا حول كفاءة الأصول وجدوى استمرار تشغيلها.
شركة القاهرة.. محطات جيدة وأخرى تحتاج إلى قرار
تأتي محطة شمال القاهرة المركبة ضمن أفضل محطات الشركة، حيث بلغت كفاءتها الحرارية نحو 57.4%، ومعدل استهلاك الوقود نحو 153.7 جم/ك.و.س، بينما بلغ معامل السعة 58.68%، مع إتاحية تجاوزت 90%.
كما حققت محطة شمال الجيزة كفاءة بلغت نحو 52.78%، واستهلاكًا نوعيًا قدره 166.34 جم/ك.و.س، ومعامل سعة بلغ 57.85%. وسجلت توسعات 6 أكتوبر كفاءة تقارب 49.32%، واستهلاكًا بلغ نحو 178.24 جم/ك.و.س، ومعامل سعة تجاوز 50%.
وتمثل هذه المحطات الأصول الأكثر كفاءة في شركة القاهرة، ومن ثم تستحق أولوية التشغيل والصيانة والاستثمار للحفاظ على مستويات أدائها وتعظيم الاستفادة منها.
في المقابل، سجلت محطة شبرا الخيمة البخارية كفاءة بلغت نحو 35.13%، ومعدل استهلاك وقود يقارب 249.79 جم/ك.و.س، ومعامل سعة بلغ نحو 37.3%، بينما لم تتجاوز الإتاحية 55.73%.
كما سجلت إحدى وحدات 6 أكتوبر كفاءة تقارب 30.42%، واستهلاك وقود بلغ نحو 288.35 جم/ك.و.س، ومعامل سعة لم يتجاوز 7.52%، رغم وصول الإتاحية إلى نحو 98.3%. وهو ما يشير إلى أنها قد تكون مستخدمة بصورة أساسية كاحتياطي أو للتدخل السريع عند الضرورة، وهو أمر يحتاج إلى تقييم اقتصادي في ضوء تكلفة إبقائها جاهزة مقارنة بالعائد الفعلي من تشغيلها.
أما وحدات شبرا الغازية، فقد سجلت إتاحية بلغت 100% دون إنتاج طاقة خلال العام. وهنا يجب التوقف أمام مفهوم الإتاحية؛ فالإتاحية المرتفعة لا تعني بالضرورة أن الوحدة أنتجت كهرباء أو حققت أداءً إنتاجيًا مرتفعًا، وإنما تعني أنها كانت مصنفة باعتبارها متاحة وجاهزة للتشغيل عند الطلب. ومن ثم فإن استمرارها بهذه الصورة يستوجب المراجعة والتقييم.
شرق الدلتا.. تفاوت أكبر وأصول بلا إنتاج
تظهر محطة الشباب الجديدة المركبة ضمن أفضل أصول شركة شرق الدلتا، بكفاءة حرارية بلغت نحو 48.46%، ومعدل استهلاك وقود يقارب 181 جم/ك.و.س، ومعامل سعة بلغ 67.42%، مع إتاحية تجاوزت 95%.
كما حققت بعض وحدات غرب دمياط المركبة كفاءة تقارب 47.85% و48.38%، وهي نتائج جيدة نسبيًا مقارنة بالمحطات البخارية والغازية الأقدم.
وفي المقابل، سجلت أبو سلطان كفاءة حرارية بلغت نحو 33.67%، واستهلاك وقود اقترب من 261 جم/ك.و.س، ومعامل سعة لم يتجاوز 15.66%، وهي من المحطات التي تعمل بالمازوت، بما يجعل تكلفة التشغيل واستهلاك الوقود عاملين مهمين في تقييم جدوى استمرار تشغيلها.
كما سجلت العريش البخارية كفاءة تقارب 30.6%، ومعامل سعة بلغ نحو 8.12%، بينما سجلت إحدى وحدات دمياط الغازية القديمة كفاءة تقل عن 32%، واستهلاكًا نوعيًا يقارب 274 جم/ك.و.س، ومعامل سعة لا يتجاوز 7.53%.
وتظهر الحالة الأكثر وضوحًا في محطة عتاقة الغازية، التي أنتجت كمية محدودة للغاية بلغت نحو 5.6 جيجاوات ساعة، بينما لم تتجاوز الطاقة المرسلة منها نحو 1.9 جيجاوات ساعة، وبلغ استهلاكها الذاتي قرابة 66%، مع معامل سعة يقترب من 0.1%، رغم وصول الإتاحية إلى نحو 98.9%.
وهنا يبرز سؤال فني واقتصادي مهم: إذا كانت الوحدة متاحة بهذه النسبة المرتفعة، فلماذا لم تحقق إنتاجًا يتناسب مع تكلفة الاحتفاظ بها وتشغيل خدماتها المساعدة؟
هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن الوحدة لا قيمة لها، فقد تكون لها اعتبارات تتعلق بالاحتياطي أو الموقع أو استقرار الشبكة، لكنها تعني أن تكلفة الاحتفاظ بها يجب أن تقارن بصورة واضحة بالقيمة التي تقدمها للنظام الكهربائي.
كما سجل التقرير وحدات لم تنتج كهرباء طوال العام، منها عتاقة البخارية والمساعيد الغازية وبعض توسعات العريش وشرم الشيخ، بينما ظهرت الطاقة المرسلة منها بالسالب.
والطاقة المرسلة بالسالب تعني في هذه الحالة أن الوحدة سحبت كهرباء من الشبكة لتغطية احتياجاتها المساعدة بدلًا من ضخ الكهرباء إليها. ولذلك فإن تسجيل إتاحية مرتفعة، أو حتى 100% لبعض الوحدات، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا على التشغيل الفعلي.
فالإتاحية لا تعني أن المحطة تعمل، وإنما تعني أنها مصنفة باعتبارها جاهزة للتشغيل عند الطلب. وفي هذه الحالة قد تكون الوحدة قد ظلت احتياطيًا غير مستخدم طوال العام، مع استمرار تحمل تكاليف العمالة والصيانة والحراسة والخدمات المساعدة وقطع الغيار وغيرها من التكاليف.
المحطات التي تمثل عبئًا محتملًا
وفقًا للمؤشرات المنشورة، تتركز الأولوية في مراجعة المحطات والوحدات التي تجمع بين اثنين أو أكثر من المؤشرات التالية:
– كفاءة حرارية تقل عن 35%.
– استهلاك وقود يتجاوز 250 جم/ك.و.س.
– معامل سعة يقل عن 10%.
– استهلاك ذاتي مرتفع بصورة غير طبيعية.
– إنتاج صفري أو شبه صفري.
– طاقة مرسلة بالسالب مع إتاحية مرتفعة ودون استخدام فعلي طوال العام.
وبناءً على ذلك، تحتاج وحدات مثل 6 أكتوبر منخفضة التشغيل، وأبو سلطان، والعريش البخارية، ودمياط الغازية القديمة، وعتاقة الغازية إلى تقييم فني واقتصادي عاجل.
كما تحتاج المحطات ذات الإنتاج الصفري والطاقة المرسلة السالبة إلى قرار واضح بشأن الاحتفاظ بها كاحتياطي، أو إعادة تأهيلها، أو إخراجها تدريجيًا من الخدمة.
وقد تكون لبعض هذه المحطات أهمية جغرافية أو دور في استقرار الجهد أو تأمين مناطق معينة، لكن هذه القيمة يجب أن يتم قياسها وتحديدها والإفصاح عنها، بدلًا من الاكتفاء بمؤشر الإتاحية.
حان وقت التقييم واتخاذ القرار
المطلوب ليس إغلاق المحطات القديمة بصورة جماعية، وإنما تصنيف كل وحدة إنتاج وفقًا لدورها وجدواها الفنية والاقتصادية، ووضعها في أحد المسارات التالية:
1. استمرار التشغيل الاقتصادي.
2. رفع الكفاءة أو إعادة التأهيل.
3. الاحتفاظ بها كاحتياطي استراتيجي، مع تحديد تكلفة الجاهزية والقيمة التي تقدمها للشبكة.
4. تحويل الموقع إلى مشروعات تخزين كهربائي أو مكثفات تزامنية، متى أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية جدوى ذلك.
5. الخروج التدريجي من الخدمة عند ثبوت عدم الجدوى.
إن المحطة الجيدة ليست فقط المحطة المتاحة، وإنما المحطة التي تنتج بكفاءة وتكلفة تنافسية، وتحقق قيمة حقيقية لمنظومة الكهرباء.
أما المحطة المتاحة بنسبة 100% دون إنتاج طوال العام، فهي في واقع الأمر احتياطي غير مستخدم، ويجب تقييم تكلفة الاحتفاظ به والعائد الحقيقي منه، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الوقود والصيانة وضرورة توجيه الاستثمارات إلى الأصول الأكثر كفاءة.
ومن واقع خبرتي الممتدة لأكثر من أربعين عامًا في قطاع الكهرباء ومحطات الإنتاج ومراقبة الأداء وتقييم الأصول، فإنني على استعداد، قدر الاستطاعة، لتقديم يد المساعدة والمشاركة الفنية في إعداد منهجية متكاملة لتقييم محطات إنتاج الكهرباء ووحداتها، بما يحافظ على أصول الدولة، ويرشد استهلاك الوقود والاستثمارات، ويدعم اتخاذ قرار فني واقتصادي موضوعي بشأن كل محطة ووحدة إنتاج.
د.م. محمد سليم سالمان
استشاري الطاقة والاستدامة






























