استكمالًا لسلسلة قراءة مؤشرات قطاع الكهرباء، ننتقل في هذا المقال من محطات الإنتاج إلى شبكتي النقل والتوزيع، اعتمادًا على بيانات التقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر حتى 30 يونيو 2025.
والهدف هو بناء ميزان مبسط للطاقة، يوضح الفرق بين الاستهلاك الذاتي للمحطات، والفقد في شبكة النقل، والطاقة المباعة على الجهد الفائق، والفقد الفني والتجاري في شركات التوزيع.
ولإظهار الأثر الاقتصادي، نفترض أن متوسط قيمة الكيلووات ساعة يبلغ 2.5 جنيه مصري. وهذه قيمة تقديرية للطاقة، وليست بالضرورة التكلفة المحاسبية المعتمدة لدى كل شركة.
من الطاقة المولدة إلى الطاقة المرسلة
بلغ إجمالي الطاقة الكهربائية المولدة نحو 239.888 تيراوات ساعة، بينما بلغت الطاقة المرسلة من محطات الإنتاج نحو 232.904 تيراوات ساعة.
وعليه، فإن الفرق البالغ 6.984 تيراوات ساعة يمثل الاستهلاك الذاتي للمساعدات في المحطات، بنسبة 2.91% من الطاقة المولدة.
علمًا بأن هذه الكمية لا تُصنف فقدًا، إلا أن الاستهلاك الذاتي، رغم ضرورته للتشغيل، يمثل أحد مؤشرات الأداء التي تعمل شركات الإنتاج على خفضها، لأن كل تحسن فيه يزيد الطاقة الصافية المرسلة إلى الشبكة، دون الحاجة إلى إنتاج إجمالي إضافي مماثل.
فرق يحتاج إلى مصالحة بين الإنتاج والنقل
بلغت الطاقة المرسلة من محطات التوليد 232.904 تيراوات ساعة، بينما سجلت الطاقة الواردة أو المشتراة بواسطة الشركة المصرية لنقل الكهرباء نحو 231.036 تيراوات ساعة.
وبلغ الفرق 1.868 تيراوات ساعة، بما يمثل نحو 0.80% من الطاقة المرسلة، وتبلغ قيمته، وفق السعر المفترض، نحو 4.670 مليار جنيه.
ولا يجوز اعتبار هذا الفرق فقدًا بصورة تلقائية قبل تحديد حدود ونقاط القياس بين الإنتاج والنقل؛ ولذلك يحتاج الأمر إلى مصالحة كمية للطاقة (Energy Reconciliation) توضح حركة كل تيراوات ساعة بين عداد خروج محطة الإنتاج ونقطة استلام شركة النقل.
فقد شركة النقل
اشترت الشركة المصرية لنقل الكهرباء نحو 231.036 تيراوات ساعة، وباعت إجمالًا نحو 222.269 تيراوات ساعة.
وبذلك بلغت كمية الفقد 8.767 تيراوات ساعة، بنسبة 3.79%، وتبلغ القيمة النظرية لهذه الطاقة نحو 21.918 مليار جنيه.
ولا ننسى أن جزءًا من فقد النقل يمثل فقدًا فنيًا حتميًا ينتج عن مقاومة الموصلات، ومحولات القدرة، ومسافات نقل الطاقة، ومستويات التحميل، وتدفقات القدرة غير الفعالة.
لذلك، فإن الهدف ليس الوصول بالفقد الفني إلى صفر، فهذا غير ممكن عمليًا، وإنما الوصول إلى المستوى الفني والاقتصادي الأمثل، مع منع أي فقد غير فني أو غير مبرر، وتحسين تشغيل الشبكة.
الطاقة المباعة من شركة النقل
من إجمالي مبيعات شركة النقل البالغ 222.269 تيراوات ساعة، بلغت الطاقة المباعة لشركات التوزيع نحو 187.250 تيراوات ساعة، بينما بلغت الطاقة المباعة لجهات أخرى مرتبطة مباشرة على الجهد الفائق نحو 35.019 تيراوات ساعة، بما يمثل نحو 15.75% من إجمالي مبيعات شركة النقل.
فقد شركات التوزيع
وفق بيانات شركات التوزيع الواردة في التقرير، بلغ إجمالي الطاقة المشتراة لديها نحو 188.891 تيراوات ساعة، بينما بلغت الطاقة المباعة للمشتركين نحو 152.833 تيراوات ساعة.
وبذلك بلغ الفرق 36.058 تيراوات ساعة، أي بنسبة إجمالية قدرها 19.09%.
وعند افتراض قيمة قدرها 2.5 جنيه لكل كيلووات ساعة، تبلغ القيمة التقديرية لهذه الطاقة نحو 90.145 مليار جنيه، وهي قيمة اقتصادية ضخمة، حتى مع الأخذ في الاعتبار أن جزءًا من الفقد فني وحتمي.
كما يظهر فرق بين الطاقة التي سجلتها شركة النقل كمبيعات لشركات التوزيع، والبالغة 187.250 تيراوات ساعة، ومجموع الطاقة المشتراة الظاهر في بيانات شركات التوزيع. ويجب تفسير هذا الفرق من خلال المشتريات من مصادر أخرى، والطاقة الموزعة، واختلاف نقاط القياس، والتسويات المحاسبية.
تفاوت واضح بين شركات التوزيع
تراوحت نسب الفقد المحسوبة بين 14.16% و29.89%، وجاء ترتيب الشركات من الأقل إلى الأعلى كالتالي:

وتسجل شركة القناة أقل نسبة فقد، بينما تسجل جنوب القاهرة أعلى نسبة وأكبر قيمة؛ إذ تستحوذ وحدها على نحو 28.6% من إجمالي كمية الفقد المحسوبة في شركات التوزيع.
لكن المقارنة العادلة لا تتوقف عند ترتيب النسب؛ فكل شركة تختلف في كثافة الأحمال، وأطوال الشبكات، ونسب الكابلات والخطوط الهوائية، ومستويات الجهد، وعدد المشتركين، وحجم المناطق العشوائية، وانتشار العدادات غير الدقيقة أو التوصيلات غير القانونية.
إن إدارة ميزان الطاقة للتغلب على الفقد ليست قضية فنية فقط، بل قضية مالية وتجارية واستثمارية تمس تكلفة الكهرباء واستدامة الشركات والتعريفة التي يتحملها المستهلك.
ونقدم هذا التحليل ليكون مرجعية مبسطة يستفيد منها المتخصص وغير المتخصص.
وبالنسبة لي، فإنني أمارس هوايتي التي كانت مهنتي طوال سنوات الخدمة: مراقبة وتحليل الأداء الفني والمالي والتجاري لقطاع الكهرباء، انطلاقًا من الحرص على تطوير القطاع والحفاظ على موارده وأصوله.































