في مقال سابق تحدثنا عن اللحظة التي تتحول فيها المشروعات الكبرى من مجرد أعمال هندسية إلى قوة تعبر عن قدرة الدولة ومكانتها.
لكن السؤال الأهم يبدأ بعد نجاح المشروع: ماذا بعد؟
هل ينتهي الحضور المصري بتسليم المشروع، أم يصبح المشروع نقطة البداية لحضور اقتصادي وصناعي أوسع؟
إن القيمة الحقيقية لمشروع بحجم سد ومحطة جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا لا تتوقف عند ما تم إنجازه على الأرض، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن يفتحه هذا النجاح من أبواب أمام الصناعة والخبرة والشركات المصرية في إفريقيا.
فالمشروع الكبير لا يجب أن يسافر وحده؛ خلفه يجب أن تتحرك منظومة كاملة: مصنع مصري يجد سوقًا جديدًا، ومورد يدخل سلسلة إمداد دولية، ومهندس ينقل خبرته، وشركة متوسطة تحصل على فرصة للتوسع، ومنتج يحمل عبارة «صُنع في مصر» ويجد طريقه إلى أسواق لم يصل إليها من قبل.
وهنا تحديدًا تتحول المشروعات القومية الكبرى خارج الحدود إلى منصات اقتصادية.
فالنجاح الحقيقي ليس أن ننفذ مشروعًا واحدًا ونغادر، وإنما أن يتحول نجاح المشروع الأول إلى ثقة تقود إلى مشروع ثانٍ وثالث، وإلى علاقات تجارية وصناعية تستمر لسنوات.
وتملك الشركات المصرية الكبرى دورًا مهمًا في هذه المعادلة، وتقدم تجربة السويدي إليكتريك مثالًا على قدرة الشركات المصرية على العمل في أسواق متعددة وتقديم حلول في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
والأهم هو البناء على مثل هذه التجارب لتوسيع المساحة أمام المزيد من الصناعات والموردين والخبرات المصرية؛ لأن كل باب تفتحه شركة مصرية كبيرة في سوق جديد يمكن أن يصبح بابًا تعبر منه شركات مصرية أخرى.
وهنا تظهر أهمية سلاسل الإمداد.
فخلف كل مشروع ضخم مئات الاحتياجات من المنتجات والخدمات والمعدات والنقل والتكنولوجيا والأعمال الهندسية. وكلما ارتفعت مساهمة الصناعة المصرية في هذه السلسلة، زادت القيمة الاقتصادية التي تعود إلى الداخل، واتسعت في الوقت نفسه البصمة الصناعية المصرية في الخارج.
ولا ينبغي أن ننظر إلى إفريقيا باعتبارها سوقًا لتصريف المنتجات فقط.
فالشراكة الأكثر استدامة هي التي تقوم على المصالح المتبادلة: نبني، ونصنع، وندرب، وننقل المعرفة، ونخلق فرص عمل، ونساعد على تكوين قدرات محلية تستطيع الاستمرار.
عندها يصبح وجود الشركة المصرية مرتبطًا في ذهن المجتمع الإفريقي بالتنمية، وليس بمجرد تنفيذ عقد.
وهذا النوع من الثقة لا يُشترى بالإعلانات، وإنما يُبنى بالمشروع بعد المشروع، وبالالتزام بعد الالتزام، وبالمنتج الذي يثبت جودته، وبالمهندس والفني المصري اللذين يتركان وراءهما معرفة وخبرة إلى جانب ما تم تشييده.
ومن هنا فإن التحدي القادم ليس فقط الوصول إلى إفريقيا، وإنما الاستمرار فيها والتوسع معها.
أن تتحول النجاحات المصرية المتفرقة إلى شبكة من المصالح الاقتصادية والصناعية الممتدة، وأن يصبح وجود الشركات المصرية الكبرى منصة تساعد الصناعة الوطنية على الوصول إلى أسواق جديدة.
فالفرصة التي يحصل عليها مصنع مصري في الخارج لا تخص المصنع وحده، وعقد التصدير الجديد لا يمثل رقمًا في ميزانية شركة فقط؛ فكل توسع ناجح للصناعة المصرية يعني إنتاجًا أكبر، وفرص عمل أكثر، وخبرة أعمق، وعملة أجنبية تدخل الاقتصاد المصري، وقدرة أكبر على المنافسة عالميًا.
لهذا يجب أن ننظر إلى المشروعات الكبرى باعتبارها بداية الطريق، لا نهايته.
لقد أثبت المهندس والعامل والصانع المصري قدرتهم على الوصول.
والمرحلة التالية هي أن يتحول هذا الوصول إلى وجود، وأن يتحول الوجود إلى شراكة، وأن تتحول الشراكة إلى مصالح اقتصادية مستدامة تربط مصر بإفريقيا لعقود قادمة.
المشروع قد تكون له لحظة تسليم… أما الحضور الحقيقي للدول، فلا ينبغي أن تكون له لحظة انتهاء.
د. عمرو إبراهيم
مدير الإمداد بشركة السويدي كابلات






























