من هندسة القوى والآلات إلى قيادة التسويق في «السويدي إليكتريك».. أكثر من 26 عامًا صنعت مزيجًا بين لغة التكنولوجيا واحتياجات السوق
وليد البهنساوي
هناك مسارات مهنية تبدأ من تخصص واضح، ثم تتسع مع السنوات حتى يصبح صاحبها قادرًا على رؤية الصورة كاملة، لا من زاوية واحدة. المهندس أحمد نجم ينتمي إلى هذا النوع من المسارات؛ بدأ من الهندسة الكهربائية، واقترب في سنواته الأولى من التفاصيل الفنية للطاقة والقوى والآلات، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى مساحة أخرى لا تقل ارتباطًا بالمنتج: السوق والعميل والمبيعات وتطوير الأعمال والتسويق. وبعد أكثر من 26 عامًا بين شركات عالمية وأسواق متعددة، يقف اليوم في موقع يجمع كل هذه الخبرات، كرئيس تنفيذي لقطاع التسويق على مستوى مجموعة السويدي إليكتريك Group Chief Marketing Officer.
لكن قراءة تجربته باعتبارها انتقالًا من «الهندسة إلى التسويق» فقط ربما لا تكون كافية، فالمسار الأهم في قصته هو كيف ظل القطاع الذي بدأ منه حاضرًا في كل المراحل؛ كهرباء وطاقة ومنتجات وحلول صناعية، لكن من زاوية مختلفة في كل مرة.
مرة من داخل المنتج، ومرة من بوابة تطوير الأعمال، ومرة من خلال المبيعات، ثم الاستراتيجية، وصولًا إلى قيادة التسويق على مستوى مجموعة صناعية ذات حضور دولي.
البداية.. حين كانت الهندسة هي نقطة الانطلاق
كان الطريق الأول لأحمد نجم أكاديميًا وهندسيًا؛ فقد حصل على بكالوريوس الهندسة الكهربائية من جامعة عين شمس، وبدأ حياته المهنية مساعد تدريس بقسم القوى والآلات الكهربائية بكلية الهندسة.
لكن السنوات التالية أخذته بعيدًا عن المسار الأكاديمي إلى عالم الشركات والطاقة والصناعة، وكانت Schneider Electric واحدة من أبرز المحطات التي بدأت معها ملامح تحوله نحو الجانب التجاري، حيث عمل في تطوير المنتجات والتسويق لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وهي تجربة وضعته مبكرًا أمام سؤال مختلف عن السؤال الهندسي التقليدي: ليس فقط كيف نصنع المنتج أو الحل، ولكن كيف نفهم السوق الذي سيحتاج إليه؟ ومن هو العميل؟ وكيف يصل المنتج إليه؟ وما الذي يجعله يختاره؟
ومن هنا بدأت ملامح المسار الذي سيصاحبه طوال أكثر من ربع قرن، فالهندسة لم تختفِ من الصورة، وإنما اتسعت زاوية النظر من المنتج نفسه إلى البيئة التجارية المحيطة به، وهو ما قاده إلى أدوار أكثر ارتباطًا بتطوير الأعمال والاستراتيجية والمبيعات والتسويق.
من شركة عالمية إلى أخرى.. والخيط واحد
لم تكن رحلة أحمد نجم سلسلة من المناصب المنفصلة بقدر ما تبدو، عند النظر إليها اليوم، كخط واحد يتطور مع الوقت فقد انتقل إلى GE Energy مسؤولًا عن تطوير الأعمال إقليميًا في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، ثم عاد إلى Schneider Electric في مسؤولية مرتبطة بالحلول لدول الخليج، وبعدها انتقل إلى UTC في مجال الاستراتيجية والتسويق والاتصالات لمنطقة الشرق الأوسط، ثم إلى ABB Power Grids في مسؤولية المبيعات والتسويق لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفي Eaton توسعت خبرته في الاستراتيجية والتسويق والقنوات لمنطقة الشرق الأوسط، قبل أن ينتقل إلى CHINT Global في مسؤولية الاستراتيجية والتسويق لمنطقة غرب آسيا وأفريقيا وبين هذه المحطات، كان هناك شيء ثابت: المنتج الصناعي، والسوق، والعميل، والبحث عن مساحة جديدة للنمو.
وهنا تحديدًا تبدو قيمة الخلفية الهندسية؛ فالتسويق في عالم الكهرباء والطاقة ليس مجرد صورة أو حملة إعلانية، لأن المنتج نفسه يحمل قدرًا كبيرًا من التعقيد الفني، والعميل قد يكون شركة أو مصنعًا أو مؤسسة أو موزعًا أو مستهلكًا، والقرار الشرائي في كثير من الأحيان يحتاج إلى معرفة تقنية وتجارية في الوقت نفسه.
فبراير 2025.. محطة مختلفة في «السويدي إليكتريك»
في فبراير 2025 بدأت محطة جديدة في مسيرة أحمد نجم مع توليه منصب Group Chief Marketing Officer في السويدي إليكتريك. والمنصب هذه المرة ليس إقليميًا، وإنما على مستوى المجموعة، بما يعني أن نطاق العمل يمتد إلى التسويق العالمي، والعلامة التجارية، والتميز التجاري، والقنوات والشركاء، والذكاء السوقي، وتطوير المنتجات والمبادرات المرتبطة بالنمو.
وهنا يبدو واضحًا أن سنوات العمل السابقة لم تكن مجرد خبرات متراكمة، بل أدوات يحتاج إليها المنصب الجديد؛ فمن يعرف المنتج يستطيع أن يفهم ما وراءه، ومن عاش المبيعات يعرف أن العميل لا يشتري الإعلان، ومن عمل في تطوير الأعمال يدرك أن السوق لا يتوقف عند حدود الدولة، ومن عمل في الاستراتيجية يعرف أن الحملة الناجحة ليست بالضرورة هي الهدف النهائي، وإنما ما يمكن أن تضيفه إلى رحلة النمو.
عندما يصبح التسويق أقرب إلى غرفة العمليات
خلال الفترة الأولى في السويدي إليكتريك، ظهرت مجموعة من المبادرات التي تعكس هذا الفهم المختلف للتسويق. كان من بينها إطلاق Hub في يناير 2026، كمنصة تجارة إلكترونية متكاملة، إلى جانب إدخال تطبيقات للذكاء الاصطناعي في تطوير أعمال القطاع خلال 2025.
كما شهدت الفترة إطلاق أنظمة CRM في أربع وحدات أعمال، وأتمتة عمليات بحوث السوق، في محاولة لجعل المعلومات المتعلقة بالعملاء والمنافسين واتجاهات الطلب أقرب إلى متخذ القرار.
قد تبدو هذه التفاصيل للوهلة الأولى تقنية، لكنها في الحقيقة تحكي شيئًا أبسط: التسويق يتغير لم يعد المسؤول عنه يجلس فقط مع فريق الإعلانات لمناقشة حملة جديدة، بل أصبح عليه أن يعرف أين يوجد العميل، وماذا يريد، وكيف يتحرك، وما الذي يقوله السوق، وماذا يفعل المنافس، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تجعل كل هذه المعلومات أكثر سرعة ودقة.
الذكاء الاصطناعي.. من العنوان الكبير إلى الاستخدام اليومي
كان الذكاء الاصطناعي أحد الملفات اللافتة في تجربة أحمد نجم داخل المجموعة فبحسب Forbes Middle East، ارتبطت فترة قيادته بإدخال استخدامات للذكاء الاصطناعي ضمن تطوير قطاع التسويق، لكن الملف لم يتوقف عند التسويق.
وفي تصريحات نقلتها Reuters عبر Zawya خلال 2026، تحدث نجم عن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل قطاعات مختلفة من أعمال السويدي إليكتريك، بهدف تحسين الإنتاجية وتقليل أوقات المعالجة والتكلفة وتحسين الجودة والسلامة وأعلنت الشركة، وفق التغطية، عن 30 مشروعًا مكتملًا للذكاء الاصطناعي، مع متوسط خفض في أوقات العمليات بلغ 84%.
وربما تكشف هذه النقطة تحديدًا عن التحول الذي يمر به الدور الذي يشغله نجم؛ فالتكنولوجيا لم تعد ملفًا منفصلًا عن التسويق، وإنما أصبحت جزءًا من الطريقة التي تُفهم بها الأسواق والعملاء والعمليات نفسها.
من «الإعلان» إلى فهم العميل
من المبادرات الأخرى التي ارتبطت بفترة قيادته إطلاق أنظمة إدارة علاقات العملاء CRM لأربع وحدات أعمال، وهي خطوة تبدو إدارية في ظاهرها لكنها تحمل دلالة تجارية واضحة؛ فكلما أصبحت بيانات العملاء أكثر تنظيمًا، أصبحت الصورة أوضح أمام فرق التسويق والمبيعات وتطوير الأعمال: من هو العميل؟ ماذا يحتاج؟ أين وصلت فرصة البيع؟ وما الذي يمكن أن يحول التواصل الأول إلى علاقة تجارية مستمرة؟
الأمر نفسه ينطبق على أتمتة بحوث السوق، التي تساعد على الوصول بصورة أسرع إلى المعلومات المتعلقة بالمنافسين والعملاء واتجاهات الطلب وهنا يصبح التسويق أقرب إلى أداة لفهم السوق، وليس مجرد أداة للتحدث إليه.
رمضان.. حين نزلت العلامة التجارية إلى الشارع
ورغم كل هذا الحضور الرقمي والتقني، لم يبتعد أحمد نجم عن الصورة التقليدية للتسويق. خلال رمضان 2025 و2026، قاد حملات إعلانية متكاملة 360 درجة لقطاع الكابلات.
وبحسب Forbes Middle East، استهدفت الحملات دعم الوعي بالعلامة التجارية والنمو في قنوات الأعمال B2B وقنوات المستهلكين B2C، في ظل تحديات الأسواق.
واللافت هنا أن المنتج نفسه ينتمي إلى عالم صناعي شديد التخصص، لكن طريقة التواصل معه يمكن أن تصل في الوقت نفسه إلى الشركات والموزعين والمستهلك النهائي. وهذا هو التحدي الحقيقي في تسويق المنتجات الصناعية: أن تعرف متى تتحدث بلغة الأرقام والمواصفات، ومتى تتحدث بلغة أبسط تصل إلى الجمهور الأوسع.
26 عامًا.. والخبرة التي لا تُكتب في سطر
ربما لا تعبر عبارة «أكثر من 26 عامًا من الخبرة» وحدها عن حجم الرحلة. فخلف الرقم سنوات طويلة قضاها أحمد نجم في شركات مثل Schneider Electric وGE وUTC وABB وEaton وCHINT Global، وبين أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، وفي وظائف بدأت من تطوير المنتجات ومرت بالتسويق والمبيعات والاستراتيجية والقنوات وتطوير الأعمال.
ولهذا فإن منصبه الحالي يمكن قراءته باعتباره نتيجة لمسار طويل، وليس مجرد انتقال وظيفي جديد. فهو يجمع في موقع واحد ما تعلمه خلال سنوات من العمل في أكثر من جانب من جوانب الصناعة، من فهم المنتج والسوق إلى إدارة العلاقة مع العميل وتطوير القنوات وقراءة اتجاهات الأعمال.
السويدي إليكتريك.. تسويق مجموعة لا منتج واحد
ربما تكمن صعوبة منصبه الحالي أيضًا في طبيعة «السويدي إليكتريك» نفسها. فالمجموعة ليست منتجًا واحدًا ولا سوقًا واحدًا؛ هناك الكابلات والمنتجات الكهربائية والطاقة والبنية التحتية والمشروعات والحلول الرقمية، وأسواق مختلفة وعملاء مختلفون.
ولذلك فإن مهمة Group CMO تتجاوز بناء صورة للعلامة التجارية إلى محاولة إيجاد لغة مشتركة بين قطاعات وأسواق وقنوات متعددة. وهنا تظهر خبرة نجم في الأسواق الدولية، وفي العمل مع الشركات الصناعية العالمية، كجزء من أدواته في التعامل مع هذا التعقيد.
من القاهرة إلى الأسواق العالمية
امتد حضور أحمد نجم خلال 2026 إلى ملفات مرتبطة بالتوسع الدولي للمجموعة. وفي سبتمبر، ظهر ضمن أنشطة «السويدي إليكتريك» في افتتاح مكتبها الجديد في شنغهاي، في خطوة ارتبطت بتطوير الموردين وسلاسل الإمداد والشراكات والتعاون التكنولوجي، وربط الشركات والأسواق الصينية بالأسواق المصرية والأفريقية والشرق أوسطية والأوروبية.
وهذه المحطة تبدو منسجمة مع طبيعة المسار الذي اختاره منذ سنوات؛ فالسوق بالنسبة له لم يكن يومًا محليًا فقط، بل ظل حاضرًا في مسيرته كمساحة مفتوحة للتوسع والشراكة واكتشاف فرص جديدة.
فوربس تضع اسمه بين أبرز مديري التسويق في المنطقة
في 2026، أدرجت Forbes Middle East أحمد نجم ضمن قائمة The Middle East’s Most Influential CMOs، باعتباره Group CMO في السويدي إليكتريك. واستندت التغطية إلى مجموعة من المبادرات التي ارتبطت بفترة عمله في المجموعة، من Hub والذكاء الاصطناعي وCRM وأتمتة بحوث السوق، إلى الحملات المتكاملة لقطاع الكابلات.
لكن بعيدًا عن القائمة نفسها، فإن الأهم في مسيرته ربما يكمن في المسار الذي سبقها؛ فالرجل الذي بدأ من قسم القوى والآلات الكهربائية في كلية الهندسة، وجد نفسه بعد أكثر من ربع قرن مسؤولًا عن التسويق في مجموعة صناعية دولية. وبين النقطتين مرت الرحلة عبر الكهرباء والطاقة والمنتجات والمبيعات والعملاء والأسواق والاستراتيجية.
المهندس الذي لم يترك الهندسة خلفه
في النهاية، يصعب اختزال أحمد نجم في لقب «مهندس» أو «رجل تسويق». الهندسة كانت البداية، لكنها لم تختفِ عندما دخل عالم التسويق، بل ربما ظلت حاضرة بطريقة مختلفة؛ في فهم المنتج، وفي التعامل مع شركات الطاقة والكهرباء، وفي قراءة احتياجات العملاء الصناعيين، وفي القدرة على التحرك بين التفاصيل الفنية والصورة التجارية الأوسع.
أما التسويق فلم يكن محطة بعيدة عن الهندسة، بل كان طريقًا آخر لفهم المنتج والسوق والعميل. ومن هنا يمكن قراءة تجربة أحمد نجم باعتبارها رحلة طويلة من هندسة المنتج إلى هندسة السوق؛ رحلة بدأت من الكهرباء، ومرت بالمبيعات وتطوير الأعمال والاستراتيجية، وانتهت إلى قيادة منظومة التسويق والنمو والتحول الرقمي في واحدة من أبرز المجموعات الصناعية المصرية ذات الحضور الدولي.






























