شركة «ESMC» تعزز حضورها في قطاع الكهرباء بتعاقدات فعلية مع شركات التوزيع.. ومشروع الـ270 ألف عداد يعكس دورها في تحديث منظومة القياس وإدارة الطاقة
لم تعد معركة تطوير قطاع الكهرباء في مصر تقتصر على إنشاء محطات جديدة أو التوسع في قدرات التوليد، فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية تدور داخل شبكات التوزيع، عنوانها الدقة والسرعة والقدرة على إدارة كل كيلووات من الطاقة بكفاءة.
وفي قلب هذا التحول، تبرز الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية (ESMC)، التي تجاوز دورها حدود تصنيع العدادات لتصبح طرفًا حاضرًا في عدد من مشروعات تحديث منظومة القياس بشركات توزيع الكهرباء.
فمع تسارع خطوات التحول الرقمي داخل القطاع، لم يعد عداد الكهرباء مجرد أداة لحساب الاستهلاك وإصدار الفواتير، بل أصبح أحد مفاتيح إدارة الشبكة، ومصدرًا مهمًا للبيانات التي تساعد شركات التوزيع على مراقبة الأحمال، وتحسين معدلات التحصيل، والحد من الفقد، والتعامل بصورة أكثر كفاءة مع احتياجات المشتركين.
ومن هنا، تكتسب تجربة الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية أهميتها، باعتبارها نموذجًا للصناعة المحلية التي لم تعد تكتفي بتوفير المنتج، وإنما أصبحت تشارك من خلال تعاقداتها ومشروعاتها في تنفيذ جانب من خطط تطوير شبكات الكهرباء على أرض الواقع.
صناعة محلية تواكب التحول في قطاع الكهرباء
على مدار السنوات الماضية، شهدت منظومة الكهرباء المصرية تحولًا ملحوظًا في أساليب قياس الاستهلاك وإدارة بيانات المشتركين، بداية من التوسع في العدادات الإلكترونية ومسبقة الدفع، وصولًا إلى العدادات الذكية التي تتيح إمكانات أوسع في الاتصال وتبادل البيانات.
وفي خضم هذا التطور، تعمل الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية على توفير مجموعة من المنتجات والحلول المرتبطة بقياس الطاقة، تشمل العدادات أحادية وثلاثية الأوجه، إلى جانب المكونات الإلكترونية ولوحات التحكم والتوزيع، فضلًا عن أنشطة التوريد والتركيب والتشغيل والصيانة والأعمال المرتبطة بشبكات التوزيع.
ولم يكن حضور الشركة في السوق المحلية مجرد نشاط صناعي تقليدي، إذ أدرجت الشركة القابضة لكهرباء مصر منتجاتها ضمن قائمة المنتجات المحلية المعتمدة لمهمات شبكات التوزيع، ومن بينها العدادات الإلكترونية أحادية الوجه مسبقة الدفع، وهو ما يعكس وجودها ضمن قاعدة الموردين المحليين الذين تعتمد عليهم شركات الكهرباء في تلبية جانب من احتياجاتها.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل توجه الدولة إلى تعميق التصنيع المحلي، وتوفير المهمات الكهربائية والإلكترونية من السوق المصرية، بما يضمن استمرارية الإمدادات ويعزز قدرات الصناعة الوطنية على مواكبة التطورات التكنولوجية المتلاحقة.
من العدادات مسبقة الدفع إلى تجربة الشحن عبر الهاتف المحمول
كان التوسع في تركيب العدادات مسبقة الدفع أحد أبرز ملامح تطوير منظومة توزيع الكهرباء خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت هذه العدادات وسيلة مهمة لتحسين التحصيل والحد من مشكلات القراءات التقديرية، إلى جانب منح المشترك قدرة أكبر على متابعة استهلاكه.
ووفقًا للتقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر، بلغ عدد العدادات مسبقة الدفع التي جرى تركيبها نحو 19 مليون عداد حتى مارس 2024، وهو رقم يعكس حجم التحول الذي شهدته منظومة القياس في السوق المصرية.
لكن التطور لم يتوقف عند هذا الحد، فمع ظهور إمكانات الشحن الإلكتروني والاتصال عن بُعد، بدأت مرحلة جديدة تستهدف جعل تجربة المشترك أكثر سهولة، وتقليل الحاجة إلى الإجراءات التقليدية في التعامل مع العداد.
وفي هذا الإطار، شاركت الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية في تجربة لتطبيق جيل جديد من العدادات مسبقة الدفع، يتيح الشحن باستخدام الهاتف المحمول، من خلال تركيب 27 ألف عداد لدى شركتي مصر الوسطى وجنوب الدلتا لتوزيع الكهرباء.
ولم تكن أهمية التجربة في أعداد العدادات وحدها، بل في طبيعة الخدمات التي تستهدف تقديمها، من بينها إمكانية الشحن الإلكتروني عن بُعد، وإرسال تنبيهات للمشترك عند انخفاض رصيد العداد، بما يفتح المجال أمام تطوير العلاقة بين شركة الكهرباء والمستهلك، ويجعل عملية متابعة الاستهلاك أكثر مرونة.
وهنا يظهر الفارق بين العداد باعتباره منتجًا صناعيًا، والعداد باعتباره جزءًا من منظومة رقمية أوسع، وهو التحول الذي تسعى شركات التوزيع إلى ترسيخه ضمن خطط تحديث خدماتها.
مشروع الـ270 ألف عداد.. محطة بارزة في مشروعات الشركة
إذا كانت تجارب العدادات الذكية تعكس الجانب التكنولوجي من نشاط الشركة، فإن مشروع توريد وتركيب عدادات لكبار المشتركين والموزعات والمحولات يكشف عن جانب أكثر ارتباطًا بإدارة شبكات التوزيع ورفع كفاءتها التشغيلية.
فبحسب التقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر، جرى حصر نحو 270 ألف عداد تستهدف المشروع، تشمل عدادات كبار المشتركين على الجهد المتوسط، والموزعات، والمحولات العامة والخاصة، قبل دعوة الشركات المقيدة فنيًا للمنافسة على توريد وتركيب هذه العدادات على مستوى الجمهورية.
وبعد الانتهاء من أعمال التحليل الفني والمالي، رست المناقصة على الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية باعتبارها الأقل سعرًا في العدادات، وصدر أمر الإسناد، مع سداد الدفعة المقدمة في سبتمبر 2024.
وتكمن أهمية هذا المشروع في طبيعة المواقع المستهدفة، فتركيب العدادات على المحولات والموزعات وكبار المشتركين لا يقتصر على تسجيل الاستهلاك، وإنما يوفر بيانات أكثر دقة عن الطاقة المتداولة داخل الشبكة، ويساعد شركات التوزيع على مقارنة الطاقة المغذية بالطاقة المستهلكة، وتحديد مناطق الفقد، وتحسين متابعة الأحمال.
وهذا النوع من المشروعات يمثل خطوة أساسية في الانتقال من الإدارة التقليدية للشبكات إلى الإدارة القائمة على البيانات، حيث تصبح المعلومات الدقيقة عنصرًا رئيسيًا في اتخاذ القرار، سواء فيما يتعلق بخطط الصيانة أو تطوير الشبكات أو تحسين كفاءة التشغيل.
وبالنسبة للشركة، فإن الفوز بهذا المشروع يعكس انتقال نشاطها إلى نطاق أوسع من التوريدات المعتادة، لتكون منتجاتها جزءًا من مشروع يمتد تأثيره إلى قطاعات واسعة من شبكات التوزيع على مستوى الجمهورية.
مصر العليا لتوزيع الكهرباء.. تعاقدات جديدة تؤكد استمرار الحضور
ولا يتوقف حضور الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية عند المشروعات واسعة النطاق، إذ يمتد إلى التعاقدات المباشرة التي تبرمها شركات توزيع الكهرباء لتلبية احتياجاتها من مهمات القياس الحديثة.
وفي مؤشر على استمرار هذا التعاون، حصلت الشركة خلال فبراير 2026 على أمر توريد إضافي من شركة مصر العليا لتوزيع الكهرباء، لتوريد 6500 عداد ذكي للموزعات والمحولات وكبار المشتركين، بقيمة تقارب 20 مليون جنيه قبل ضريبة القيمة المضافة.
ويحمل هذا التعاقد أهمية تتجاوز قيمته المالية، بالنظر إلى طبيعة العدادات المستهدفة ودورها في دعم أعمال تطوير الشبكات، خاصة في نطاق جغرافي واسع يمتد عبر محافظات صعيد مصر، حيث تمثل متابعة الأحمال وتحسين كفاءة توزيع الطاقة تحديًا تشغيليًا مهمًا.
كما يعكس إسناد توريدات إضافية للشركة استمرار الاعتماد على منتجاتها في تلبية احتياجات شركات التوزيع، ويؤكد أن السوق المحلية للعدادات الذكية أصبحت جزءًا من خطط الإحلال والتطوير التي تنفذها شركات الكهرباء.
وبين مشروع واسع يستهدف مئات الآلاف من العدادات، وأوامر توريد جديدة لتلبية الاحتياجات التشغيلية لشركات التوزيع، يتضح أن دور الشركة يرتبط بصورة مباشرة ببرامج تحديث منظومة القياس، وليس بمجرد توفير منتج صناعي للسوق.
العدادات الذكية.. عين شركات التوزيع على الشبكة
وراء كل عداد ذكي مشروع أكبر يتعلق بكيفية إدارة شبكة الكهرباء. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن وسيلة دقيقة لحساب استهلاك المشتركين، وإنما تحتاج إلى منظومة قادرة على توفير بيانات مستمرة تساعدها على فهم ما يحدث داخل الشبكة، والتعامل مع الأحمال والفواقد بصورة أكثر كفاءة.
ومن هنا، تتكامل مشروعات العدادات الذكية مع خطط إنشاء وتطوير مراكز التحكم، التي تستهدف تحسين مراقبة الشبكات وإدارة عمليات التشغيل والاستجابة للأعطال، إلى جانب رفع مستوى الخدمة المقدمة للمشتركين.
وقد شهدت شركات توزيع الكهرباء، من بينها الإسكندرية وشمال القاهرة وشمال الدلتا، تنفيذ مشروعات لتطوير مراكز التحكم وتركيب أعداد كبيرة من العدادات الذكية، ضمن توجه أوسع لرقمنة منظومة التوزيع.
وفي هذه المنظومة، تمثل العدادات إحدى حلقات الربط بين المشترك وشركة الكهرباء ومراكز التحكم، حيث تسهم البيانات التي توفرها في تحسين متابعة الاستهلاك، ومراقبة الأحمال، ودعم جهود الحد من الفقد الفني والتجاري، فضلًا عن تطوير آليات التحصيل.
وهنا تبرز أهمية الشركات المصنعة للعدادات، ليس باعتبارها موردًا للمهمات فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من سلسلة متكاملة تقوم عليها مشروعات التحول الرقمي في قطاع الكهرباء.
الصناعة المحلية أمام فرصة أكبر
يمثل توسع شركات الكهرباء في مشروعات تحديث القياس فرصة مهمة أمام الصناعة المحلية، خاصة في ظل الاحتياج المتزايد إلى العدادات والمكونات الإلكترونية والحلول المرتبطة بها.
وتتيح قدرات التصنيع والتجميع المحلي توفير جزء من احتياجات السوق، مع دعم سلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات الكهربائية والإلكترونية، وفتح المجال أمام تطوير منتجات تتناسب مع متطلبات شركات التوزيع.
وفي هذا السياق، يمتد نشاط الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية إلى تصنيع وتجميع البوردات الإلكترونية والدوائر والمكونات والملحقات الخاصة بعدادات الطاقة، إلى جانب البرمجيات والحلول المرتبطة بها.
وهي مجالات تكتسب أهمية متزايدة مع تطور أنظمة القياس والاتصال، إذ لم تعد المنافسة في سوق العدادات قائمة على مواصفات الجهاز وحده، بل أصبحت مرتبطة بقدرته على العمل ضمن منظومة متكاملة من التطبيقات والأنظمة الرقمية.
ومع استمرار مشروعات تحديث شبكات التوزيع، تزداد أهمية تطوير قدرات الشركات المحلية، سواء من حيث جودة المنتجات أو مواكبة المعايير الفنية أو القدرة على تلبية احتياجات المشروعات الكبرى في التوقيتات المحددة.
من مصنع للعدادات إلى شريك في تحديث الشبكات
تكشف المشروعات والتعاقدات التي شاركت فيها الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية عن ملامح تطور دورها داخل قطاع الكهرباء المصري؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بعدد العدادات التي تنتجها أو توردها، وإنما بمدى ارتباط منتجاتها بالمشروعات التي تستهدف رفع كفاءة شبكات التوزيع وتطوير آليات إدارتها.
فمن تجربة العدادات التي تتيح الشحن عبر الهاتف المحمول، إلى مشروع الـ270 ألف عداد لكبار المشتركين والموزعات والمحولات، وصولًا إلى أمر التوريد الإضافي لصالح شركة مصر العليا لتوزيع الكهرباء، تتعدد صور مشاركة الشركة في التحول الذي تشهده منظومة القياس.
وتؤكد هذه المحطات أن الصناعة المحلية أصبحت تمتلك مساحة حقيقية للمشاركة في مشروعات التطوير، وأن شركات تصنيع العدادات يمكن أن تؤدي دورًا يتجاوز حدود خطوط الإنتاج، لتصبح شريكًا في تنفيذ خطط تحديث شبكات الكهرباء.
ومع استمرار توجه القطاع نحو الرقمنة وتطوير مراكز التحكم وتحسين كفاءة التشغيل، تبقى العدادات الذكية واحدة من الأدوات الرئيسية التي ستعتمد عليها شركات التوزيع في المرحلة المقبلة، فيما تظل قدرة الشركات المحلية على مواكبة هذا التطور عاملًا مهمًا في تعزيز الاعتماد على الصناعة الوطنية.
ففي النهاية، لا تكمن قيمة العداد الذكي في قدرته على تسجيل الاستهلاك فقط، بل في المعلومات التي يقدمها، والقرارات التي تساعد شركات الكهرباء على اتخاذها، والأثر الذي يتركه في كفاءة الشبكة وجودة الخدمة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة الشركة المصرية لصناعة العدادات الذكية باعتبارها جزءًا من قصة أكبر، عنوانها انتقال قطاع الكهرباء المصري من مجرد توصيل الطاقة إلى إدارتها بذكاء.






























