ما زلت أواصل مقالاتي عن تطوير محطات توليد الكهرباء التابعة لشركات الإنتاج بوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة. وفي البداية، أتوجه بالتحية والتهنئة إلى الدكتور المهندس أحمد مهينة، رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر، متمنيًا له التوفيق، وآمل أن نشهد ونلمس تغييرات حقيقية في الأداء وتحسينًا ملموسًا في مستوى محطات التوليد وشركات إنتاج الكهرباء.
وقبل أن أبدأ في عرض ما أراه ضروريًا لتطوير شركات الإنتاج، أود أن أعلق على نقطة مهمة، وهي الضجة الإعلامية التي تصاحب قدوم فصل الصيف والاستعدادات المكثفة التي يعلن عنها قطاع الكهرباء لمواجهة الأحمال المرتفعة. فلماذا كل هذه الضجة الإعلامية، خاصة أن مصر تمتلك قدرات كبيرة في مجال توليد الكهرباء؟
نرى متخصصين وغير متخصصين يتحدثون عن الأحمال المطلوبة والقدرات المتاحة والمولدة، بل إن بعض المتحدثين لا يدركون الفرق بين الميجاوات والميجاوات ساعة، أو بين القدرة الكهربائية والطاقة المولدة خلال فترة زمنية. فلماذا كل هذه الضجة؟
فلندع رجال الكهرباء يعملون في صمت وهدوء، ولتكن النتائج الفعلية ومؤشرات الأداء هي المعيار الحقيقي للحكم على ما يتحقق في قطاع الكهرباء.
أولًا: تطوير أهداف شركات الإنتاج وخفض تكاليف الصيانة والعمرات
نرى في اجتماعات الجمعيات العامة الخاصة بمناقشة الموازنات أمرًا غريبًا وعجيبًا. فهل من الصحيح أن يكون لدى إحدى الشركات هدف يتمثل في اعتماد ميزانية ضخمة للإنفاق على الصيانة والعمرات، في حين أن المطلوب هو خفض تكاليف العمرات الخاصة بالوحدات، ومراقبة معاملات الأداء وتحسينها، وخفض تكاليف الصيانة الروتينية؟
إن المطلوب من المحطات في الوقت الحالي هو إعادة النظر في فلسفة تحديد الأهداف، بحيث لا يكون حجم الإنفاق على الصيانة هو المعيار، وإنما النتائج التي تتحقق من هذا الإنفاق ومدى انعكاسها على كفاءة الوحدات واستمرارية التشغيل وخفض تكلفة الإنتاج.
نرى أن جميع المحطات تستهدف إنتاج طاقة كهربائية مستدامة، وهو ما يتفق مع هدف الشركة القابضة. ولكننا نريد أن يكون لكل شركة ولكل محطة هدف ورؤية أكثر تحديدًا، بحيث يكون الهدف الأساسي هو خفض تكلفة إنتاج الكيلووات ساعة بأعلى جودة ممكنة.
ولن يتحقق ذلك إلا من خلال وضع أهداف واضحة ومحددة، والعمل على تنفيذها بتكلفة أقل، وفي زمن أقصر، وبجودة عالية.
ثانيًا: مراجعة عدادات الغاز الطبيعي بالمحطات
لا بد من مراجعة جميع عدادات الغاز الطبيعي في المحطات والتأكد من أنها تعمل بصورة طبيعية، وهو ما يساعد على مراجعة قيم الغاز المستهلك مع شركات الغاز، ومطابقة القراءات واعتمادها، وحساب كميات الغاز المستهلكة، وإعداد محاضر الغاز واعتمادها بطريقة صحيحة.
كذلك، لا يمكن حساب كفاءة الوحدات بصورة دقيقة إلا بعد التأكد من سلامة عدادات الغاز الطبيعي الخاصة بها والتحقق من دقة القياس ومعايرة العدادات وفقًا للمتطلبات الفنية المعتمدة.
فلن نتمكن من حساب الكفاءة الحقيقية لتلك الوحدات ما لم نتأكد من أن جميع العدادات تعمل بصورة طبيعية؛ لأن دقة بيانات استهلاك الوقود تمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم الأداء وحساب معدلات استهلاك الغاز وتكلفة إنتاج الطاقة الكهربائية.
ثالثًا: تطبيق نظم الصيانة الحديثة والتنبؤ بالأعطال
لا بد من تطبيق نظم حديثة للصيانة تعتمد على دراسة الأعطال والتنبؤ بها، بدلًا من الانتظار حتى وقوع العطل ثم التعامل مع نتائجه.
ومن أهم النظم التي يجب التوسع في تطبيقها داخل محطات التوليد:
– Predictive Maintenance – الصيانة التنبؤية: وتعتمد على متابعة حالة المعدات وتحليل البيانات والمؤشرات الفنية للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها.
– Risk-Based Inspection (RBI) – الفحص القائم على المخاطر: لتحديد أولويات الفحص وفقًا لاحتمالات حدوث الأعطال وتأثيراتها المحتملة.
– Reliability-Centered Maintenance (RCM) – الصيانة المرتكزة على الاعتمادية: لتحديد أسلوب الصيانة الأنسب لكل معدة وفقًا لوظيفتها وأهميتها التشغيلية.
كما يجب أن يكون لدينا نظام للمحاكاة ودراسة أسباب الأعطال، بهدف الوصول إلى الأسباب الجذرية للمشكلات الفنية، ووضع الحلول المناسبة لتفادي تكرارها والحد من حالات الخروج الاضطراري للوحدات.
إن تطبيق هذه النظم من شأنه أن يسهم في تحسين الاعتمادية، وخفض تكاليف الصيانة، وتقليل فترات التوقف، والمحافظة على استمرارية إنتاج الطاقة الكهربائية.
رابعًا: لجان الترقيات واختيار القيادات العليا
نرجو التخلي عن المحسوبية والوساطة في اختيار القيادات. فهناك شركات تعرضت فيها منظومة إعداد الصف الثاني للتراجع بصورة كبيرة، حتى أصبح بعض رؤساء مجالس الإدارات يتصورون أنه لا يوجد من يستطيع تولي المسؤولية من بعدهم، وأنهم باقون في مناصبهم.
إن هذه الممارسات لا تساعد على تطوير المؤسسات، بل تؤدي إلى إضعاف الكفاءات، وتحد من فرص إعداد قيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية ومواصلة التطوير.
لذلك، لا بد أن تعتمد لجان الترقيات واختيار شاغلي الوظائف العليا على معايير واضحة وموضوعية، تشمل الخبرة العملية والعلمية، والكفاءة الفنية والإدارية، والقدرة على التطوير وتحقيق النتائج، بعيدًا عن أي اعتبارات لا ترتبط بجدارة المرشح.
كما نريد تفعيل دور مجالس الإدارات، بحيث يكون لها دور حقيقي في متابعة الأداء ومناقشة الأفكار الجديدة التي يمكن أن تسهم في تحسين أداء المحطات، مع خالص الشكر والتقدير لجميع أعضاء مجالس الإدارات.
والسؤال هنا: ما معايير اختيار أعضاء مجالس الإدارات؟ أرى أن الاختيار يجب أن يعتمد على الخبرة العملية والعلمية، وأن يضم المجلس الكفاءات القادرة على المناقشة وتقديم المقترحات الجديدة، بما ينعكس إيجابيًا على أداء الشركات والمحطات.
كما أتوجه إلى الدكتور وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بمقترح أن تكون مدة تولي رئيس مجلس الإدارة ثلاث سنوات فقط، يعقبها تغيير واختيار شخص آخر وفقًا لمعايير الكفاءة وتقييم الأداء.
وذلك حتى لا تتحول المناصب إلى مراكز قوة لدى بعض الأشخاص، أو يتم استغلال النفوذ الناتج عنها. وليعلم الجميع أن الدنيا والمناصب إلى زوال، وأن تولي المسؤولية أمانة سيُحاسب الإنسان عليها أمام الله.
خامسًا: تطوير منظومة الصحة والسلامة المهنية
لا بد من مراجعة أوامر الشغل على النظام الإلكتروني الخاص بها. فمن غير المعقول أن نجد أن متطلبات الوقاية في جميع أوامر الشغل تقتصر على ارتداء الخوذة وحذاء السلامة، في الوقت الذي تتطلب فيه طبيعة الأعمال المختلفة تنوعًا في وسائل العزل والتأمين ومعدات الوقاية الشخصية، وفقًا لمستوى المخاطر المرتبطة بكل مهمة.
إن هناك ضرورة لتطوير منظومة السلامة وعدم الاكتفاء بالمتطلبات التقليدية، مع الاهتمام بتحديد عناصر السلامة الحرجة Safety Critical Elements، والتأكد من كفاءة وسائل الحماية المرتبطة بها.
وأطالب بضرورة تطبيق معايير السلامة المناسبة لطبيعة الأعمال داخل المحطات، والاستفادة من المراجع المهنية والمعايير المعترف بها، ومنها:
– NASP – National Association of Safety Professionals.
– IASP – International Association of Safety Professionals.
– NFPA – National Fire Protection Association.
كما لا بد من تطوير متطلبات شغل الوظائف القيادية في مجال الصحة والسلامة المهنية، بما يتناسب مع متطلبات العصر والتطور الحديث في نظم السلامة وإدارة المخاطر.
وأرى ضرورة أن تكون هناك لجان خارجية متخصصة للمشاركة في اختيار قيادات الصحة والسلامة، بما يضمن الموضوعية والتحقق من الكفاءة الفنية والقدرة على تطبيق المعايير الحديثة على أرض الواقع.
سادسًا: مؤشرات الأداء الرئيسية KPI.. ضرورة القياس الحقيقي لأداء المحطات
يتحدث الجميع عن معاملات الأداء وضرورة تحسين منظومتها. وأنا على علم تام بمعاملات الأداء المستخدمة في المحطات، مثل الإتاحة والاعتمادية وغيرها، ولكن هناك معاملات أخرى كثيرة أطالب بتطبيقها؛ لأنها ستكون بمثابة ترمومتر حقيقي لقياس أداء كل محطة، وتحقيق التحسين المستمر، وتوفير مبالغ طائلة تُنفق على الصيانة.
ومن بين مؤشرات الأداء التي أرى ضرورة الاهتمام بها وتطبيقها في المحطات:
– Average Shutdown Time: متوسط زمن التوقف.
– Planned Average Shutdown Time: متوسط زمن التوقف المخطط.
– Failure Stop Ratio: نسبة التوقفات الناتجة عن الأعطال.
– Failure Rate: معدل حدوث الأعطال.
– Corrective Maintenance Failure Rate: معدل الأعطال المرتبطة بالصيانة التصحيحية.
– Reliability Factors: مؤشرات الاعتمادية.
– Repeat Failure Rate: معدل تكرار الأعطال.
– Critical Equipment Ratio: نسبة المعدات الحرجة.
– MTTR – Mean Time to Repair: متوسط زمن الإصلاح.
– MTBF – Mean Time Between Failures: متوسط الزمن بين الأعطال.
وليعلم الجميع أن هذه المؤشرات تُستخدم في محطات التوليد على مستوى العالم، بما يساعد على إجراء قياس حقيقي لأداء أقسام الصيانة والتشغيل، وتحديد نقاط الضعف، ومتابعة مدى التحسن في النتائج.
ومن المهم أن يتم تعريف كل مؤشر وطريقة حسابه بصورة موحدة، مع تحديد الفترة الزمنية التي يُقاس خلالها، حتى تكون المقارنات بين المحطات والأقسام المختلفة دقيقة وموضوعية.
كما أن تطبيق هذه المؤشرات يساعد على الانتقال من نظم الصيانة التفاعلية Reactive Maintenance إلى نظم الصيانة الاستباقية Proactive Maintenance، التي تعتمد على منع الأعطال وتحليل أسبابها قبل وقوعها، بدلًا من الاكتفاء بإصلاحها بعد حدوثها.
ولتحقيق قياس حقيقي وشفاف، لا بد أن تكون هناك أهداف واضحة لكل محطة، وأن تستند معايير التقييم إلى أفضل الممارسات العالمية، مع الاستفادة من منهجية Balanced Scorecard – بطاقة الأداء المتوازن، التي تتيح تقييم الأداء من جوانب متعددة، تشمل الجوانب المالية والتشغيلية والفنية وغيرها.
إن الهدف ليس مجرد تسجيل الأرقام في التقارير، وإنما استخدام هذه المؤشرات في اتخاذ القرارات الصحيحة، وتحديد المسؤوليات، ووضع خطط تحسين قابلة للقياس والمتابعة.
سابعًا: تطوير نظم التشغيل وتطبيق الصيانة الإنتاجية الشاملة TPM
من النظم الحديثة التي تُطبق على مستوى العالم منهجية TPM – Total Productive Maintenance، أو الصيانة الإنتاجية الشاملة، التي تهدف إلى رفع كفاءة المعدات وتقليل الأعطال من خلال مشاركة العاملين في المحافظة على حالة المعدات وتحسين أدائها.
ومن التطبيقات التي يمكن الاستفادة منها في هذا الإطار إسناد بعض أعمال الصيانة الذاتية البسيطة إلى أطقم التشغيل، مثل تغيير بعض الفلاتر والتزود بالزيوت لبعض التوربينات والمعدات المساعدة، وفقًا لتعليمات التشغيل والصيانة المعتمدة، وبعد التدريب والتأهيل اللازمين.
وذلك في الحالات التي تتطلب تدخلًا سريعًا، وفي حدود الأعمال المسموح بها، بما يساعد على المحافظة على استمرارية الوحدات والحد من خروجها الاضطراري.
كذلك، من الضروري تدريب أطقم التشغيل بالمحطات والوحدات المختلفة على استخدام أدوات حل المشكلات، واختيار الأسلوب الأمثل للتعامل مع كل حالة.
فهناك فرق بين Troubleshooting، أي استكشاف الأعطال وتحديد أسبابها المحتملة، وProblem Solving، أي حل المشكلات بصورة منهجية، وBrainstorming، أي العصف الذهني لتوليد الأفكار والحلول.
ويجب أن تكون أطقم التشغيل والصيانة على دراية كاملة بموعد استخدام كل أسلوب وكيفية تطبيقه بالشكل الصحيح، للوصول إلى أفضل النتائج.
ومن الأدوات التي يمكن الاستفادة منها أيضًا:
– Plan–Do–Check–Act (PDCA): التخطيط والتنفيذ والتحقق واتخاذ الإجراءات التصحيحية، بهدف تحقيق التحسين المستمر.
– Observe, Orient, Decide, Act (OODA): الملاحظة والتوجيه واتخاذ القرار والتحرك، بما يساعد على سرعة الاستجابة للمواقف التشغيلية.
إن تطبيق هذه الأساليب بصورة صحيحة يمكن أن يسهم في تحسين أداء التوربينات، وتوفير كميات كبيرة من الوقود، وتقليل الأعطال المتكررة، ورفع كفاءة التشغيل، وخفض تكاليف الصيانة.
ثامنًا: أين التقارير السنوية للشركة القابضة بعد عام 2021؟
أتساءل: لماذا لا نجد التقارير الخاصة بالشركة القابضة لكهرباء مصر على موقع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بعد عام 2021؟
وأرجو من القائمين على الموقع، مع خالص الشكر والتقدير لجهودهم، العمل على إتاحة التقارير السنوية بصورة منتظمة، حتى يتمكن المتخصصون والباحثون والمهتمون بقطاع الكهرباء من الاطلاع على البيانات والمؤشرات والنتائج المنشورة.
إن نشر التقارير السنوية يساعد على متابعة تطور الأداء، والاستفادة من المعلومات المتاحة في الدراسات الفنية والبحثية، ويدعم الشفافية وتبادل الخبرات، ويتيح تقييم النتائج في ضوء الأهداف والخطط المعلنة.
في النهاية.. مصر تمتلك قدرات هائلة وخبرات فنية متميزة
في النهاية، تمتلك مصر قدرات هائلة من محطات توليد الكهرباء بمختلف أنواعها، سواء الغازية أو البخارية أو المركبة، كما تمتلك أعدادًا كبيرة من المهندسين والفنيين والكفاءات ذات المستويات الفنية والعلمية المتميزة.
ولقد أسهمت الاستثمارات التي شهدها قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية في التوسع في قدرات التوليد، وهو ما يفرض علينا اليوم مسؤولية تعظيم الاستفادة من هذه الأصول، ورفع كفاءة تشغيل المحطات، وخفض تكلفة إنتاج الكيلووات ساعة، وتطوير نظم الصيانة، وتطبيق مؤشرات الأداء الحديثة، واختيار القيادات وفقًا لمعايير الكفاءة والخبرة والإنجاز.
إن التطوير الحقيقي يبدأ بوضع أهداف واضحة، وقياس النتائج بشفافية، والاستفادة من الخبرات العلمية والعملية، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات لتقديم أفكار جديدة، مع ترسيخ مبدأ أن المسؤولية أمانة، وأن نجاح المؤسسات لا يرتبط بشخص واحد، بل بمنظومة عمل متكاملة قادرة على الاستمرار والتطور.
حفظ الله مصر من كل سوء.
نبذة عن الكاتب
الدكتور خالد عبد العزيز، خبير في تشغيل وصيانة محطات توليد الكهرباء، يمتلك خبرة تزيد على 30 عامًا في تشغيل وصيانة المحطات الغازية والبخارية، واختبارات الأداء، والتخطيط، وقياس وتحسين الكفاءة، والمشروعات والاستشارات، وإعداد الدورات التدريبية في مجال محطات التوليد.
حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية، ودرجة الماجستير في تحليل الأعطال بالتوربينات الغازية، وعضو سابق ومحاضر في لجنة الربط الكهربائي المصري السعودي خلال مؤتمر الرياض عام 2015، وعضو بجمعية المهندسين المصريين الميكانيكيين وجمعية الحريق العالمية.
كما أنه عضو سابق في لجنة دراسة المقترحات والبحوث الجديدة المتعلقة بمحطات التوليد المختلفة بمنطقة كهرباء القاهرة، وله العديد من البحوث المنشورة في مجال الطاقة الكهربائية لمحطات التوليد وترشيد الطاقة، ويعمل محاضرًا في الجامعات المصرية وخارج مصر.






























