في وقت تتزايد فيه الضغوط على موازنات الدول لتوفير إمدادات الطاقة وتأمين الفاتورة الدولارية، تخوض وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية بقيادة المهندس كريم بدوي سباقاً مع الزمن لتعظيم الموارد المحلية والبحث عن “مفاتيح جديدة” لقفل شفرة المكامن القديمة.
ولم يعد الرهان اليوم مقتصراً على الاكتشافات التقليدية في البحر المتوسط أو خليج السويس، بل امتد ليشمل ثورة تكنولوجية كبرى تُعرف بـ «إنتاج البترول غير التقليدي».
اللقاء الأخير الذي جمع المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، بالخبير البترول المهندس شريف فودة، رئيس شركة «نسر NESR» العالمية، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل حمل في طياته ملامح خريطة طريق قد تحدث نقطة تحول هيكلية في مستقبل إنتاج الزيت الخام في الصحراء الغربية.
ثورة صامتة في الأعماق: كيف تعمل التقنية؟

تعتمد التكنولوجيا المعروضة على إحداث تكامل بين الحفر الأفقي (Horizontal Drilling) والتكسير الهيدروليكي (Hydraulic Fracturing). وتستهدف هذه التقنية الطبقات الصخرية ذات النفاذية المنخفضة (Tight Formations)، وهي صخور حابسة للنفط لا تسمح بتدفق الهيدروكربونات بالأبعاد والأساليب التقليدية.
من خلال ضخ مائعات ومواد تحفيزية تحت ضغوط عالية، يتم فتح مسارات ودقائق مجهرية داخل تلك الصخور، مما يسمح بتحرير النفط المحتجز وتدفقه نحو البئر بمعدلات اقتصادية مجدية. وهي ذات التكنولوجيا التي غيرت خريطة الطاقة العالمية في الولايات المتحدة، وتُطبق حالياً بنجاح باهر في مشروع “الجافورة” بالمملكة العربية السعودية.
100 ألف برميل يومياً: ما الذي يعنيه هذا الرقم للاقتصاد المصري؟
أشارت الدراسات المبدئية المعروضة إلى إمكانية إضافة ما بين 50 ألفاً إلى 100 ألف برميل يومياً من الزيت الخام إلى إنتاج مصر الحالي.
ولفهم الأثر المباشر لهذا الرقم:
نسبة الزيادة: يمثل هذا الرقم قفزة تتراوح بين 10% إلى 18% في إجمالي إنتاج البلاد من الزيت الخام.
الفاتورة الدولارية:
سيعني هذا الحجم من الإنتاج تقليصاً مباشراً لعمليات الاستيراد الخارجية، مما يخفف عبئاً بمليارات الدولارات عن كاهل الخزانة العامة للدولة.
إعادة إحياء الحقول القديمة: يمنح هذا الاتجاه صحراء مصر الغربية — وهي حوض بترولي تاريخي — “قبلة حياة” ثانية تعيد تقييم أصولها وتفتح الآفاق أمام آبار كان يُعتقد أنها نَضَدَت أو غير ذات جدوى.
من الأوراق إلى الميدان: الآبار التجريبية كشرط للنجاح
اللافت في التعاطي الحكومي مع هذه الدراسات هو الواقعية والمنهجية العلمية. فلم يتم الاكتفاء بالأرقام النظرية، بل تم الاتفاق فوراً على تشكيل فرق عمل مشتركة بين شركة «نسر العالمية»، والهيئة المصرية العامة للبترول، والشركات المشغلة، للبدء في حفر آبار تجريبية (Pilot Wells).
إن حفر هذه الآبار يمثل الإثبات العملي والحقيقي (De-risking) للمشروع؛ فهو يحدد بدقة مدى استجابة الصخور المصرية لهذه التكنولوجيا، ويقيس المعدلات التدفقية الفعلية على أرض الواقع قبل ضخ استثمارات ضخمة في الإنتاج التجاري.
رؤية مستقبلية
تؤكد هذه التحركات أن وزارة البترول المصرية باتت تتبنى فلسفة «تعظيم القيمة من الأصول القائمة عبر التكنولوجيا». إذا نجحت الآبار التجريبية القادمة في تأكيد التقديرات الأولية، فلن نكون فقط أمام زيادات في أرقام الإنتاج، بل سنشهد الإعلان الرسمي عن تدشين «عصر البترول غير التقليدي في مصر»، وهو ما سيغير قواعد اللعبة في سوق الطاقة المحلي لسنوات قادمة فهل تفعلها نسر كما فعلتها في أمريكا والسعودية ؟
رأي باور نيوز






























