بين الاستغراب والترقب، جاء قرار تكليف المهندس عمرو إسماعيل الشرقاوي رئيساً للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية والصناعات التعدينية خلفاً للجيولوجي ياسر رمضان ليحرك مياه القطاع الراكدة. استغراب أراحه التفكير التقليدي المحصور في “الترتيب الوظيفي والتخصص الأكاديمي التاريخي”، وترقب تطلعت إليه العقول الاستثمارية لنموذج جديد يواكب تسارع التحولات الاقتصادية العالمية.
إن الاستغراب لم يأتِ لمجرد قادِمٍ من خارج الجهاز الإداري البيروقراطي بتمكنه الممتد في كبرى المؤسسات الدولية (مثل «بيكر هيوز»)، بل من كسر قاعدة متوارثة في تاريخ الهيئة: كيف يُسند هذا الملف لمهندس تعدين وبترول ذي عقلية تنظيمية وإدارية استثمارية بدلاً من السير على الخط التقليدي بحصر القيادة في تخصص البحث الجيولوجي
لا أحد يقلل من القيمة الفنية والطبقية للعلوم الجيولوجية؛ فهي العين التي تقرأ باطن الأرض وتسير أغوار الخامات. لكن إدارة المؤسسات التعدينية الحديثة وتطوير الهيئات الاقتصادية تتخطى حدود “خرائط الاستكشاف” لتصل إلى “خرائط الاستثمار والحوكمة والتسويق الدولي”.
إن العالم المعاصر لم يعد يفاضل بين محاسب أو مهندس أو جيولوجي برتبته الأولى، بل يزن القيادات بما تحققه من فكر اقتصادي، ورؤية تسويقية، وقدرة على بناء الشراكات وتحقيق الربحية.
ان تاريخ قطاع التعدين المصري نفسه يحمل الرد الشافي على هذا التردد، وتُسطر فيه النماذج الإدارية الاقتصادية قمم النجاح فمثلا المحاسب خالد الغزالي حرب: الذي انتشل شركة فوسفات مصر من براثن الخسارة وتهديد التصفية، ووضع أول فكر استثماري لمشروع حامض الفوسفوريك بأبو طرطور لتعظيم القيمة المضافة لخام الفوسفات مع صديقه المهندس مدحت يسري .
المهندس أمجد عبد الرازق: الذي أحدث طفرة نوعية في شركة واديكو ورسّخ مفاهيم التعدين الأخضر المستدام.
المحاسب أبو المجد مفتاح: الذي أدار ملف شركة النصر للتعدين برؤية ماليّة واقتصادية شجاعة نقلت الكيان إلى مكانة أخرى.
المحاسب هاني الزهيري: الذي نقل الشركة المصرية لتسويق الفوسفات لتنافس كبرى الكيانات الإقليمية والدولية وتفرض حصة مصرية قوية أمام أسواق عريقة كالمغرب والأردن.
إن استقدام خبرة عالمية ذات خلفية هندسية وتطبيقية كالمهندس الشرقاوي، بالتزامن مع تحويل الهيئة إلى “هيئة اقتصادية مستقلة”، يعكس رغبة الدولة الشديدة في فتح مجالات جديدة
للتحول من مجرد “جهة إشرافية وتراخيص” إلى “مطور استثماري وصناعي”.
و تعظيم الصناعات التحويلية (Value-Addition) وعدم اكتفاء مصر بتصدير المادة الخام في صورتها الأولية.
بل استخدام المفاوضات العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية بأساليب حديثة تُترجم الثروات الكامنة في الصحراء إلى أرقام في حسابات الاقتصاد القومي.
خلاصة القول:
إن تغير الفكر الإداري ليس مجرد اختيار شخص، بل هو ضرورة فرضها التغير المتسارع لسوق الطاقة والتعدين العالمي. الجيولوجيا تعثر على المورد، لكن الهندسة والاقتصاد يحولان هذا المورد إلى ثروة مستدامة تؤمّن الأجيال. وحين تمتزج الكفاءات الفنية في الميدان بالعقلية الاستثمارية في القيادة، تبدأ الدورة الحقيقية للتنمية.
رأي: باور نيوز






























