أثناء احتدام المعركة الانتخابية في ألمانيا ودخول حزب الخضر في محاولة لوضع رئيسته “أنالينا بيربوك” في وضع يؤهلها أن تخلف المستشارة “ميركل” بعد إعلانها التقاعد كان أحد الموضوعات الرئيسية في المناقشات والحوارات التليفزيونية هو كيف الوصول إلى الهدف المعلن وهو خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الذي زادت نسبته في الغلاف الجوي مما يهدد البشرية بما يسببه من احتباس حراري. فقال السيد “لاشيك” الذي خلف ميركل في رئاسة حزبها “الديمقراطي المسيحي” وطبعا يتطلع إلى أن يخلفها في المستشارية – وكانت هذه جرأة كبيرة منه لأنها تحتسب انتقادا شديدا لسياستها – أن التخارج من انتاج الكهرباء من الفحم كان يجب أن يسبق التخارج من إنتاج الكهرباء بالمفاعلات النووية حيث أن إغلاق آخر مفاعل نووي مخطط له نهاية سنة 2022 بينما تخطيط إغلاق محطات الفحم يضع الحد الأقصي لتشغيل هذه المحطات سنة 2038 بينما يطالب البعض بالإسراع ليكون 2030 ليتوافق مع إتفاقية باريس 2015
بالنظر إلى أن ألمانيا هي الملوث الأكبر في أوروبا لأنها أكثر دول الإتحاد الأوروبي سكانا واقتصادا، مما نتج عنه أنها الأكثر استهلاكا للكهرباء، ولما كان الجزء الأكبر من إنتاج الكهرباء لديها يتم عن طريق حرق الفحم وهو الوقود الذي ينتج أكبر قدر من غاز ثاني أكسيد الكربون عند حرقه – بينما ينتج الغاز الطبيعي نصف مقداره تقريبا لإنتاج وحدة الكهرباء – فيتبادر على البال فورا السؤال: لماذا لا يستبدلوا الفحم بالغاز؟ والرد هو: يبدوا أن هذا هو المخطط لسرعة خفض الانبعاثات حيث أن أي مخطط آخر لا يمكن تحقيقه في الفترة الزمنية المقدرة إلى أن تصل درجة حرارة الأرض إلى نقطة اللاعودة. هذا يفسر أيضا تلهُّف ألمانيا لإنجاز أنبوب الغاز “نوردستريم 2” أي مسار الشمال2 (مسار الشمال1 موجود وهو يغذي الصناعة وتدفئة المنازل) الذي يأتيها مباشرة من روسيا مرورا من خلال بحر البلطيق – لأنه رغم تكلفته العالية يتفادى المرور في أراضي دول أخرى – وهذا يفسر أيضا معارضة الرئيس الأسبق ترامب لهذا المشروع واستمرار الرئيس الحالي بايدن في هذه المعارضة إلى أن قابلته المستشارة ميركل وأقنعته بضرورة تنفيذ هذا الأنبوب.
أتوقع أن تلجأ الحكومة القادمة في ألمانيا لهذا الحل لأن حل “الفحم النظيف” الذي ذكرته وزارة الكهرباء غير موجود – وإلا لأتى ذكره في دولة التكنولوجيا المتقدمة – والحل الآخر يتلخص في إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء المتقلبة – حيث أنها متوفرة – من الرياح والخلايا الضوئية ثم تحويل الفائض منها إلى حرارة بدرجة حوالي 550 مئوية تخزن في صهاريج معزولة موضوعة بجانب محطات الفحم الحالية لتستعمل في تسخين بخار الماء بديلا عن الفحم. وهذه هي طريقة تخزين الحرارة في مزيج من الأملاح لاستعمالها ليلا لإنتاج الكهرباء في المحطات الشمسية الحرارية، مع الفارق أن المحطات الشمسية الحرارية – التي أتمنى أن تنفذ في مصر – تركز حرارة الشمس مباشرة لتخزينها بدل تحويل ضوء الشمس أو سرعة الرياح إلى كهرباء ثم تحويل هذه الكهرباء إلى حرارة لتخزينها، لأنه واضح أن كل تحويل للطاقة من صورة إلى أخرى تصاحبه الفواقد الخاصة المعروفة لكل تحويل.
لتفهُّم المشكلة العويصة التي تواجهها سياسة الكهرباء في ألمانيا يجب أن نشير إلى أن الأعداد التي تطل علينا من الاحصائيات بخصوص نسبة قدرات الطاقات المتجددة في الشبكة ليست مطابقة للواقع في كل الأحوال حيث أنها تدل فقط على القدرة المركبة، أي التي تم تركيبها وتشغيلها، ولكنها لا تعطي بيانا إذا كانت طاحونة الرياح تعمل أو ساكنة لهدوء الرياح كذلك القدرات المركبة من الخلايا الضوئية لا تفصح عن الطاقة الكهربية المرسلة للشبكة في حالة الغيوم – وما أكثرها في ألمانيا – هذا فضلا عن الصمت عن موضوع أنها لا تنتج كهرباء ليلا. للتغلب على هذه التقلبات يجب وضع وحدات في الشبكة تلبي الطلب سريعا عند حدوث تقلبات، هذه تسمى قدرات الموازنة وهذه الوظيفة تقوم بها للآن – لعدم وجود تخزين كاف للطاقة في شبكة ألمانيا للكهرباء – المحطات الفحمية مع أنها غير مؤهلة لذلك بسبب بطئها في التكيف بتتبع الحمل الذي يتغير بسرعة تغير الطاقات المتقلبة المُغذاه في الشبكة. طبعا وجود مصادر تغذية مختلفة نوعيا وجغرافيا بجانب بعض المصادر المستقرة مثل مساقط المياه، يساعد على تنظيم التغذية إلى حد ما ولكنه لا يكفي حسب الدراسات التي أجريت لضمان تيار كهربائي منتظم و”حسب الطلب” وهو المراد لمجتمع مدني صناعي. وبسبب بطء المحطات الفحمية وعجزها عن التتبع المناسب لمتغيرات الشبكة، اضطرت الشركات المشغلة لهذه المحطات إلى إنتاج كهرباء أكثر من المتوقع لتضمن عدم الانقطاعات، مما تسبب في زيادة كميات الفحم المحترقة وبالتالي زيادة ثاني أكسيد الكربون المنبعث ولم يخفف من هذا الوضع إلا وباء كوفيد-19 الذي قلص النشاط الصناعي والسفر بالسيارات.
إذن مقولة السيد “لاشيك” لا تمت للواقع ولا للعلم بصلة لأن المحطات النووية أبطأ من الفحمية في تتبع الحمل في الشبكة فلو وكلت إليها هذه الوظيفة لن تستطيع القيام بها إلا لو أرسلت كهربائها الفائضة إلى جيرانها وباعتها بأرخص الأسعار. يحدث الآن أن في بعض الأحيان يكون سعر الكهرباء بالسالب، أي يضطر مصدّر الكهرباء لدفع مبلغ من المال لشاري الكهرباء حتى يقبل الشراء، وهذا الوضع المنقلب سيزداد كلما زادت الطاقات المتجددة التي لا تجد مستهلكا لها، أي أن زيادة طواحين الرياح واللوحات الضوئية فوق الأسطح الجنوبية الخالية وعلى جانبي الطرق السريعة – كما يطالب بها حزب الخضر الألماني – لن يفيد في تغطية حقيقية للطلب على الكهرباء.
في وسط حيرة الساسة الألمان أثناء المعركة الانتخابية عند طرح موضوع الامداد الكهربي وارتباطه بتزايد الانبعاثات الضارة، طلع علينا “شي جين بنج” رئيس الصين بخطاب مرئي يوجهه لمجلس الأمم المتحدة المنعقد في هذه الفترة يفاجئ الجميع بإعلانه أن الصين لن تبني محطات فحمية خارج حدودها بعد الآن. هذا مع العلم أن غالبية محطات الكهرباء الفحمية في افريقيا وآسيا بنتها الصين. يا للعجب: الصين التي تعاقدت معها وزارة الكهرباء المصرية على بناء محطة كهرباء 6000 م.و. بتقنية الفحم النظيف في الحمراوين تقرر التضحية بأرباحها من بناء المحطات الفحمية لصالح البشرية وهو خفض الانبعاثات الضارة …. من خدعنا إذن بمقولة الفحم النظيف؟
عودة إلى ورطة الساسة الألمان بسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي يسببها بأكبر نسبة صناعة الكهرباء من الفحم في ظل غياب تقنية اقتصادية لتخزين الطاقة بمقدار يكفي لعبور الفجوات المتسببة من جراء التغذية المتقلبة. لذلك يبدو اقتراح تخزين الكهرباء الفائضة في صورة حرارة اقتراحا عمليا واقتصاديا رغم فواقده التي تصل إلى 60%. ولكنه الحل الذي يسمح بعد وقت يحدده بناء الصهاريج لتخزين مزيج الأملاح المنصهرة بالحصول على نسبة تقرب من 80% من الكهرباء الخضراء.
أما موضوع الهيدروجين الأخضر فهو يواجه صعوبات مختلفة: الأولى أن إنتاجه بالتحليل الكهربائي للماء يجب أن يكون من الطاقات المتجددة التي تنتج كهرباء نظيفة. أي أن كمية الطاقة النظيفة المطلوبة لهذا الغرض ستكون على أغلب التقديرات أكبر من المتاح على أراضي وبحار ألمانيا. والثانية هي أن الكهرباء المستعملة لإنتاجه يجب أن تكون منتظمة أي غير متقطعة. وثالثها هو أن تحويله إلى غاز الميثان، وهذا ضروري لصعوبة تداول الهيدروجين، ثم تحويله لكهرباء، وهو المنتج المطلوب، ستكون الفواقد في كل سلسلة الإنتاج 70% بجانب سعر المنشآت. طبعا أغلب عمل المهندسين هو إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات التقنية وعملهم أيضا هو المفاضلة بين التقنيات المختلفة من ناحية المخاطر على الإنسان والبيئة والتكاليف … التكاليف تأتي في المقام الثالث بعد مبررات الاستدامة.
يبقى حسب اعتقادي الحل السريع المؤقت وهو مد أنابيب غاز إلى محطات ألمانيا الفحمية وتزويدها بمشعل غازي في غلاية الفحم. وإذا بدأت ألمانيا في يوم ما تفعيل هذا الحل، ستقلدها دول كثيرة تحرق الفحم سواء في الصناعة أو انتاج الكهرباء. وسيتبع ذلك زيادة في أسعار الغاز وسيتبع ذلك أيضا سرعة نفاد الموجود في الأرض. وبما أن الدول الصناعية عندها المال الكافي لبناء قدرات كافية من الطاقات المتجددة، فسيأتي الوقت الذي تستغنى فيه عن الغاز الطبيعي لوفرة الطاقات المتجددة، فينحدر سعره.
سترتفع إذن أسعار الكهرباء بشكل غير مسبوق، وهذا يلاحظ الآن في ألمانيا وباقي دول أوروبا. ولكن لو اتبعت مصر سياسة بناء المحطات الشمسية الحرارية النمطية وكذلك ربطها في مجموعات خمسية – سميتها خميسة – فسينخفض سعر الكهرباء المنتجة منها وحينها ستتهافت دول أوروبا على شراء الكهرباء الشمسية المصرية ونستطيع القول بحق ” أشعة شمسنا الذهبية”.






























