تخيل أنك تقضي 33 عاماً من عمرك تبني في جدار وطنك، طوبة فوق طوبة، وبينما تستعد لتعليق بذلة العمل والاستراحة بعد مشوار طويل، لم يتبقَّ منه سوى 7 أشهر و7 أيام.. تُفاجأ بأن الجدار الذي كنت تحميه يُهدم من الداخل، ليس بمعاول هدم واضحة، بل بـ “محايات” خفية تمسح مئات الملايين من خزينة الدولة بدم بارد! هذه ليست قصة من وحي الخيال، بل هي مأساة “موظف” قرر ألا يخون الأمانة، فكان جزاؤه أن يُطرد من جنة عمله، ويُوصم في شرفه المهني، ويُحارب في رزقه، والسبب؟ أداة تكنولوجية صغيرة تُسمى “Trigger”.
ما هو “التريجر” الذي زلزل عروش الفساد؟
لتبسيط الأمر للقارئ غير المتخصص، “التريجر” في عالم البرمجيات هو “العين التي لا تنام”، هو الكاميرا الخفية التي تسجل كل حركة “حذف” أو “تعديل” تتم في الخفاء.
ظن الفاسدون أنهم بضغطة زر يمحون أرقاماً ويخفضون غرامات سرقات التيار الكهربائي لصالح “محاسيبهم”، وخلصت الحكاية. لكنهم لم يدركوا أن “التريجر” كان يسجل بصماتهم اللعينة.
لقد كشفتُ – بفضل الله ثم بفضل هذا النظام – عن تخفيضات وهمية في مكتب واحد فقط بلغت 430 مليون جنيه.
نعم، الرقم صحيح.. قرابة نصف مليار جنيه ضاعت على الدولة بين عامي 2017 و2022، كانت كفيلة بإنارة قرى بأكملها أو سداد فواتير آلاف الأسر الكادحة.
عندما يصبح “الحامي” هو “الحرامي”
المثل الشعبي يقول “حاميها حراميها”، ولكن في قصتي، “الحامي” طُرد و”الحرامي” احتفل! بمجرد أن قدمت تقريري الذي كشف هذا الهدر الملياري، تحركت “خلايا الفساد” بسرعة البرق.
لم يكتفوا بفصلي قبل معاشي بسبعة أشهر، بل شنوا حرباً إعلامية شعواء، وخرجت أبواق مأجورة في بث مباشر تتبجح بأنهم “يضربون بيد من حديد” على الفساد، بينما كانت نيرانهم تصيب صدر الشريف الذي فضحهم. لقد أرادوا أن يجعلوا مني “عبرة” لكل من تسول له نفسه الحفاظ على مال الدولة.
أرادوا أن يقولوا للجميع: “من يفتح فمه بكلمة حق، سيُغلق باب رزقه للأبد”.
كلمة القضاء.. وقفة مع معالي الوزير
بعد أربع سنوات من الظلام والمحاكم، أنصفني القضاء المصري الشامخ. جاءت كلمة النيابة العامة بـ “البراءة التامة” لتغسل سمعتي، ولكنها في نفس الوقت تضع علامات استفهام كبرى أمام “وزارة الكهرباء” و”مجلس الوزراء”:
1. المال العام:
إذا كانت النيابة قد برأتني، فهذا يعني أن الـ 430 مليون جنيه التي كشفتُ عنها هي حقيقة قائمة.. فأين ذهبت؟ ومن المسؤول عن ضياعها؟ وهل ستستردها الدولة أم أن الفسدة “أحب” إلى الوزارة من خزينة الشعب؟
2. رد الاعتبار:
كيف يُكافأ من أفنى 33 سنة في الخدمة بالفصل التعسفي؟ وأين حق أسرتي التي عانت الويلات بسبب اتهامات كاذبة بُثت للعالم عبر “بث مباشر” مضلل؟
3. التزوير المثبت:
لقد أثبت جهاز الكسب غير المشروع وجود مستندات مزورة خُفضت بموجبها الملايين، فلماذا لم يتم التحقيق مع “الرؤوس الكبيرة” التي وقعت واعتمدت تلك المهزلة؟
ختاماً.. رسالة إلى وزير الكهرباء
إن محاربة الفساد ليست شعارات تُرفع، بل هي “حقوق تُرد”.
إن قضيتي ليست مجرد طلب عودة لعمل أو تعويض مادي، بل هي اختبار لـ “هيبة الدولة”.
هل سيظل المفسدون في أماكنهم، ينعمون بما نهبوا، بينما يقف الشرفاء على أبواب المحاكم يبحثون عن حقهم في الكرامة؟ يا معالي الوزير.. الـ 430 مليون جنيه لا تزال تصرخ في الدفاتر، فهل من مستجيب؟ حمى الله مصر قيادة وشعبا …































