في حديث فخامة الرئيس، جاءت الإشارة واضحة إلى أن تكلفة الوقود فقط اللازم لتوليد الكهرباء تصل إلى نحو تريليون جنيه سنويًا. وهذه الإشارة بالغة الأهمية، لأنها تنقل النقاش من مجرد الحديث عن سعر بيع الكهرباء للمستهلك، إلى جوهر القضية الحقيقي، وهو هيكل التكلفة من المنبع. فعندما يصل بند واحد فقط، وهو الوقود، إلى هذا الرقم الضخم، فإن الأمر لم يعد مجرد عبء مالي عابر، بل أصبح قضية تمس الاقتصاد الوطني، والعملة الصعبة، وكفاءة الإدارة، وعدالة توزيع الأعباء بين الدولة والمستهلك.
يأتي هذا المقال إلحاقًا لما سبق نشره من مقالات هدفت إلى فتح نقاش مهني ومسؤول حول ملف الكهرباء والطاقة في مصر، ليس من باب النقد المجرد، وإنما من باب نشر الوعي، وتسليط الضوء على نقاط بعينها تحتاج إلى مراجعة وعمل جاد من متخذ القرار التنفيذي والجهات الرقابية على حد سواء، فالقضية ليست مجرد أرقام تتردد في التصريحات، بل مسألة ترتبط مباشرة بالاقتصاد الوطني، وبالعملة الصعبة، وبقدرة الدولة على الاستمرار في تقديم خدمة حيوية للمواطن وللقطاعات الإنتاجية.
حين نتحدث عن الكهرباء في مصر، فنحن لا نتحدث عن قطاع محدود التأثير، بل عن منظومة فيها الطاقة المولدة نحو 240 تيرا وات ساعة سنويا، وهي تعكس حجم الاقتصاد، واتساع الرقعة العمرانية، وزيادة الطلب من المنازل والصناعة والخدمات، وضمن هذا التوليد نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في حدود 12% فقط، بينما يبقى الجزء الأكبر معتمدًا على التوليد الحراري، وبصفة أساسية على الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري.
هنا تظهر أول نقطة تستحق التوقف الجاد، فإذا كانت الطاقة المتجددة لا تزال تمثل نسبة محدودة نسبيًا من إجمالي الطاقة المستهلكة، فإن العبء الأكبر يظل واقعًا على الوقود المستخدم في محطات التوليد، ووفقًا للتقديرات الفنية، فإن عنصر الوقود وحده يمثل نحو 74% من إجمالي تكلفة إنتاج الكهرباء أما النسبة المتبقية، فتتوزع على العناصر الأخرى مثل التشغيل والصيانة، والأجور، والفوائد التمويلية، واستهلاك الأصول، وتكاليف الإحلال والتجديد، وغيرها من الالتزامات المالية والفنية.
ومعنى ذلك ببساطة أن أي نقاش جاد حول سعر الكهرباء أو حول الدعم لا يجوز أن يبدأ من المستهلك وخاصة ان نسبة الفقد تصل الى 22 % ، بل يجب أن يبدأ أولًا من هيكل التكلفة نفسه حيث أن الوقود يمثل ما يقرب من ثلاثة أرباع التكلفة، وبالتالي لا يمكن إصلاح التعريفة فقط عن طريق إعادة تسعير المنتج النهائي، بل من خلال مراجعة واعية لطريقة شراء الوقود، وشروط التعاقد، والتغلب على الفقد ، وكفاءة المنظومة بالكامل.
لقد أثير موضوع دعم الكهرباء منذ عقود طويلة، وتعاقبت الحكومات على طرح برامج لتقليصه أو إلغائه أو إعادة هيكلته.
وكانت آخر المحاولات الواضحة هي هيكلة التعريفة على مدى خمس سنوات، باعتبارها طريقًا تدريجيًا للوصول إلى سعر يعكس التكلفة، لكن الواقع يبين أن هذه المحاولات، رغم أهميتها، لم تصل إلى النتيجة المرجوة، والسبب في تقديري أن التركيز انصب غالبًا على كيف يدفع المواطن أكثر، بينما لم يأخذ القدر الكافي من التركيز على كيف يمكن خفض التكلفة من المنبع.
وهنا يجب أن نكون واضحين: المواطن ليس هو من يحدد سعر الغاز، وليس هو من يتفاوض على عقود شراء الوقود، وليس هو من يصوغ اتفاقيات شراء الطاقة من المشروعات التقليدية أو المتجددة، وليس هو من يحدد كفاءة الشبكة أو نسب الفقد أو تكلفة التمويل، وبالتالي، فإن تحميل المواطن وحده نتائج خلل متراكم في منظومة الشراء والتعاقد والإدارة، لا يمثل حلًا عادلًا ولا إصلاحًا مكتملًا.
إن المعالجة الحقيقية تبدأ من طرح الأسئلة الصحيحة:
هل تتم مراجعة عقود شراء المواد البترولية والغاز بالقدر الكافي من المهنية والمرونة؟
هل تتم مراجعة اتفاقيات شراء الطاقة من المشروعات المتجددة وفق متغيرات السوق والعدالة الاقتصادية؟
هل توجد حوكمة واضحة تفصل بين متخذ القرار، والمنفذ، والمراقب؟
وهل الأجهزة الرقابية لديها حضور كافٍ ومؤثر في مراجعة التكاليف الفعلية ورفع كفاءة الإنفاق؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي أساس الإصلاح.
لأن استمرار أي سوق في صورة شبه احتكارية، سواء من جانب مورد الوقود أو مورد الكهرباء أو مقدم الخدمة، يعني أن السعر النهائي لا يتشكل في بيئة تنافسية حقيقية، بل في بيئة تفتقر إلى مرونة السوق وإشاراته الطبيعية رغم صدور القوانين بالخصوص، وعليه، لا يصح ولا من العدل أن يُطلب من المواطن قبول السعر باعتباره “تكلفة حقيقية” بينما هو لم يشارك أصلًا في أي من عناصر تكوين هذه التكلفة.
ومن هنا، فإنني أرى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى مسار إصلاحي أكثر عمقًا، يقوم على عدة محاور متوازية، أولها تفعيل الدور الرقابي الحقيقي على عقود شراء الوقود والطاقة المتجددة، ومراجعة الأسس التي تقوم عليها هذه التعاقدات، ومدى توافقها مع المصلحة العامة ومتغيرات السوق، وثانيها ترسيخ الحوكمة السليمة داخل القطاع، بما يمنع تعارض المصالح ويضمن وضوح المسؤوليات والفصل بين الأدوار التنفيذية والتنظيمية والرقابية، وثالثها التحرك الجاد نحو تحرير سوق الغاز وسوق الكهرباء تدريجيًا، بما يسمح بالمنافسة، ويرفع الكفاءة والفاعلية، ويوفر مؤشرات سعرية أكثر عدالة وشفافية، أما المحور الرابع، فهو أن يكون الدعم موجهًا فقط إلى مستحقيه، لا أن يستمر كعبء عام واسع النطاق دون دقة كافية.
إن الهدف من هذا الطرح ليس التقليل من حجم التحدي، ولا تجاهل الضغوط الواقعة على الدولة، بل بالعكس: الهدف هو دعم متخذ القرار برؤية موضوعية تقول إن رفع التعريفة وحده ليس إصلاحًا كافيًا، وإن معالجة الملف يجب أن تبدأ من داخل المنظومة قبل أن تصل إلى جيب المواطن، فإن الرسالة تصبح واضحة: إدارة الوقود، وإدارة العقود، وإدارة السوق، هي في الحقيقة إدارة لسعر الكهرباء نفسه.
وفي الختام، فإن نشر الوعي في هذا الملف ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية، والفهم الصحيح لجذور المشكلة، وعلى الجرأة في مراجعة السياسات والعقود وآليات العمل، وما نأمله هو أن تجد هذه الرسائل طريقها إلى كل من يملك قرارًا تنفيذيًا أو رقابيًا، حتى يصبح إصلاح قطاع الطاقة في مصر إصلاحًا حقيقيًا من المنبع، لا مجرد معالجة متكررة للنتائج، علما بأن لدينا نوتة حسابية للتعريفة الكهربائية طبقا لسعر الوقود بدءا من 4 دولار الى 12 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية د.م. محمد سليم / القاهرة 24 مارس 2026 رئيس قطاع المراقبة المركزية للاداء بكهرباء مصر سابقا






























