في ظل الإعلان الأخير عن تحريك أسعار الكهرباء، تبرز عدة نقاط جوهرية تستحق قراءة هادئة ومتعمقة، بعيدًا عن ردود الفعل اللحظية
١. الواقعية الاقتصادية والضغوط العالمية
لا شك أن الاضطرابات الحادة في أسواق الطاقة العالمية، والتوترات الإقليمية، تفرض ضغوطًا حقيقية على تكلفة إنتاج الكهرباء، خاصة في الأنظمة التي تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.
ومن هذا المنطلق، تبدو مراجعة التعريفة خطوة “مفهومة” من الناحية الاقتصادية البحتة، لسد فجوة التكلفة وضمان استمرارية الإمداد.
٢. البعد الاجتماعي ومبدأ “العدالة التوزيعية”
يُحسب لصانع القرار مراعاة البعد الاجتماعي بوضوح من خلال:- تثبيت الأسعار للشرائح الأقل استهلاكًا (والتي تمثل نحو 40% من المشتركين).
– توجيه الزيادة نحو الشرائح الأعلى استهلاكًا والأنشطة التجارية.
وهو ما يعكس تطبيقًا عمليًا لمبدأ “القدرة على الدفع” (Ability to Pay)، كأحد أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية في تسعير الخدمات.
٣. التساؤل المهني: أين “المنظم المستقل”؟
هنا تبرز النقطة الأهم: أين يظهر الدور الفني والمؤسسي لـ جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك؟ وفقًا لقانون الكهرباء رقم ٨٧ لسنة ٢٠١٥، لا يقتصر دور الجهاز على تنظيم السوق، بل يمتد ليكون خط الدفاع الأول عن حقوق المستهلك، من خلال:
– ضمان عدم تحميل المواطن أعباء ناتجة عن عدم كفاءة فنية أو إدارية.
– تحقيق التوازن الدقيق بين جودة الخدمة (Quality of Service) وعدالة السعر (Fair Tariff).
٤. الشفافية كضرورة وطنية
تعزيز الثقة لا يتحقق بالإعلان عن “نسب الزيادة” فقط، بل يقتضي توضيح الأساس الفني ومنهجية احتساب التعريفة.
فمن الضروري إبراز دور الجهاز الرقابي في مراجعة التكاليف واعتمادها، لضمان أن ما يتحمله المواطن يعكس الضرورة الاقتصادية الحقيقية، لا غير.
ختامًا..إن وجود جهاز مستقل وقوي يجمع بين “تنظيم السوق” و”حماية المستهلك” ليس رفاهية إدارية، بل هو ركيزة أساسية لضمان استدامة قطاع الكهرباء.
فالتحدي الحقيقي ليس في تحريك الأسعار، بل في بناء مؤسسات قادرة على إدارة هذا التوازن الدقيق بكفاءة وشفافية ومصداقية.




























