مع أيام عيد الأضحى المبارك، أتقدم بخالص التهنئة وأطيب الأمنيات للجميع، داعيًا الله أن يعيد هذه الأيام المباركة على مصرنا الغالية بالخير والسعادة والرخاء، وأن يحفظ وطننا وأهلنا، وأن يوفقنا جميعًا لما فيه صالح هذا البلد.
وفي هذه المناسبة الطيبة، لا يمنعنا الفرح بالعيد من أن نتأمل بعض القضايا التي تمس حياة الناس اليومية، وفي مقدمتها الكهرباء، باعتبارها خدمة أساسية وسلعة استراتيجية لا يستغني عنها بيت أو مصنع أو محل أو مرفق عام.
ومن واقع خبرتي العملية داخل قطاع الكهرباء، وما عايشته من محاولات للتطوير والتحسين، أكتب هذه القراءة عن العداد الكودي وفلسفة تقليل الفقد، ليس من باب النقد لمجرد النقد، ولكن من باب الحرص على أن يتحول الحل إلى حل حقيقي، لا أن تجعله الإدارة التقليدية مشكلة جديدة تضاف إلى المشكلات القائمة.
في التجارة، التاجر الشاطر مش اللي بيعرف يبيع بس، لكنه يعرف يخدم الزبون، ويحافظ على العلاقة مع العميل أما التاجر الخايب فهو اللي يبيع ومش عارف يحصل، يزعل الزبون، يسيب الفلوس تضيع، وبعد كده يشتكي من الخسارة.
وشركات توزيع الكهرباء في حقيقتها كيان خدمي وتجاري في نفس الوقت. هي تشتري طاقة، وتبيعها للمشترك، وتقدم خدمة، وتقيس الاستهلاك، وتصدر الفاتورة، وتحصل قيمتها. لذلك نجاحها لا يُقاس فقط باستمرار التيار، ولكن بكفاءة دورة الخدمة كاملة: من طلب الخدمة حتى الكشف، والتركيب، والإصدار، والتحصيل، وحل الشكاوى.
وأنا أكتب هذا الكلام من واقع خبرة عملية، وليس من باب التنظير فقد شاركت في مرحلة تطوير مهمة داخل قطاع الكهرباء، تم خلالها تحليل وتحسين عدد 26 خدمة جماهيرية. لم يكن التطوير مجرد تغيير أسماء خدمات أو نقلها من شباك إلى شباك، بل تم تحليل كل خدمة كعملية متكاملة: اسم العملية، متطلباتها الضرورية، قيمة وتكلغة الخدمة، المدة الزمنية لتقديمها، أسلوب المعاينة والكشف، طريقة الإصدار، وآلية التحصيل.
كانت الفكرة ببساطة أن المواطن لا يجب أن يضيع بين الإدارات، ولا أن يدفع ثمن غموض الإجراءات، ولا أن تظل الخدمة مفتوحة زمنيًا بلا موعد واضح. الخدمة الجيدة يجب أن تكون معلومة، ومحددة، ومقاسة، ولها مسئول واضح وزمن واضح وتكلفة واضحة منذ البداية امام المشترك.
لكن أثناء هذا التطوير ظهرت اعتراضات كثيرة من بعض المسئولين الكبار داخل شركات الكهرباء. وكانت الشكوى المتكررة: “مفيش تعيينات لقارئي العدادات”، و“مفيش تعيينات للمحصلين”وكأن حل المشكلة فقط في زيادة عدد العاملين، وليس في إعادة تصميم طريقة العمل نفسها.
ثم جاءت المفارقة الأكبر عندما ظهرت نفس الاعتراضات تقريبًا على العداد مسبق الدفع، رغم أن هذا العداد جاء ليحل جزءًا كبيرًا من مشكلة القراءة والتحصيل، لأنه ببساطة يستغني إلى حد كبير عن قارئ العداد والمحصل، ويجعل العلاقة المالية أوضح وأسرع وأكثر انضباطًا. وهنا ظهر جوهر المشكلة:
أن بعض العقول كانت تطلب تعيينات جديدة لنظام قديم، وفي نفس الوقت تقاوم التكنولوجيا التي تعالج قصور هذا النظام.
التطوير لا يعني شراء أجهزة فقط، ولا تركيب عدادات حديثة فقط، ولا إنشاء منصة إلكترونية فقط التطوير الحقيقي يبدأ من تطوير العقول، وتحديث الإجراءات، وإعادة بناء دورة العمل بما يتناسب مع التكنولوجيا الحديثة.
فلا معنى لعداد ذكي مع عقلية ورقية وقلك كوبيا، ولا معنى لخدمة إلكترونية إذا ظل القرار محبوسًا في نفس البيروقراطية القديمة.
شركات التوزيع لكي تصبح “تاجر شاطر” يجب أن تعرف عملاءها جيدًا.
تعرف من يستهلك، ومن يدفع، ومن يتعثر، ومن يسرق، ومن يحتاج مساعدة، ومن يحتاج حزمًا.
لا يجوز أن تتعامل الشركة مع كل المشتركين بنفس الأسلوب. المواطن الملتزم يجب أن يجد خدمة محترمة، والمتعثر يجب أن يجد جدولة عادلة، والمخالف يجب أن يجد طريقًا واضحًا لتوفيق وضعه، أما السارق المتعمد فيجب أن يواجه القانون.
ومن هنا تأتي أهمية البعد الاجتماعي تقليل الفقد لا يكون بالعقوبة وحدها، بل بإدخال الناس إلى المنظومة الرسمية وتركيب العدادات الكودية المسبقة الدفع، وتيسير إجراءات التعاقد، وتقسيط المقايسات عند الحاجة، وتنظيم حملات خدمة مجتمعية في المناطق عالية الفقد، كلها أدوات تساعد الشركة على التحصيل بدلًا من ترك الكهرباء تُستهلك خارج النظام او تستمر منظومة الممارسة الغير عادلة.
التاجر الشاطر لا يترك البضاعة تتسرب ثم يطارد الناس بعد ذلك. هو يغلق منافذ التسرب من البداية. يقيس الطاقة الداخلة والخارجة، يحلل الفقد على مستوى المناطق والمغذيات والمحولات، يراجع العدادات صفر القراءة، يتابع من لم يشحن العداد، يربط البيانات بالتحصيل، ويحول خدمة العملاء من مجرد شباك شكوى إلى أداة لحماية الإيراد وبناء الثقة.
أما أن نستمر في نفس الإجراءات القديمة، ثم نشتكي من الفقد، ونطلب تعيين قارئ ومحصل، ونقاوم العداد مسبق الدفع، ونرهق المواطن في طلب خدمة كان يمكن أن تنتهي في أيام قليلة، فهذا ليس إدارة حديثة لمرفق اقتصادي.
وقد اقتضت طبيعة المرحلة أن أكون في بعض مواقف التطوير حاسمًا وربما صداميًا في عرض الفكرة والدفاع عنها، ليس رغبة في الصدام، ولكن إيمانًا بأن الإصلاح الحقيقي يحتاج أحيانًا إلى قوة في الطرح ووضوح في الاتجاه: “خذ الكتاب بقوة”. نجحت أحيانًا، وتعثرت أحيانًا، وكلفنى كثيرا ، لكنني ما زلت أتنفس، والحمد لله، وما زلت مؤمنًا بأن التطوير لا يبدأ من الأدوات فقط، بل من العقول التي تقبل التغيير وتدافع عنه.
عندما تصبح شركة التوزيع تاجرًا شاطرًا، ستقدم خدمة أفضل، وتبيع الكهرباء بعدالة، وتحصل قيمتها بكفاءة، وتراعي البعد الاجتماعي، وتقلل الفقد، وتحمي المال العام، وتكسب ثقة المواطن. أما ان تستمر بعقلية التاجر الخايب ، فتتسرب الكهرباء ويستفيد الغير ، ونغضب الزبون، ثم نبحث عن شماعة نعلق عليها الفقد.
استشارى الطاقة والاستدامة/ محمد سليم سالمان
رئيس قطاع المراقبة المركزية للاداء بكهرباء مصر سابقا






























