صناعة وطنية تنتظر الإنصاف
في الوقت الذي تضع فيه الدولة المصرية تعميق التصنيع المحلي على رأس أولوياتها الاقتصادية، وتسعى إلى خفض فاتورة الاستيراد والحفاظ على موارد النقد الأجنبي، تبرز قضية تستحق التوقف أمامها وإعادة النظر في آليات التعامل معها، لما تمثله من تأثير مباشر على إحدى الصناعات الاستراتيجية المهمة، وهي صناعة أبراج ومهمات نقل الكهرباء.
فمنذ صدور القانون رقم 5 لسنة 2015 بشأن تفضيل المنتجات المحلية في العقود الحكومية، والذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي بهدف دعم الصناعة الوطنية وزيادة الاعتماد على المنتج المحلي في المشروعات العامة، كان من المفترض أن تصبح الأولوية للمنتجات المصرية متى توافرت الجودة والمواصفات الفنية والقدرة على التوريد، إلا أن بعض ممارسات الطرح والتنفيذ داخل الشركة المصرية لنقل الكهرباء احدى شركات وزارة الكهرباء لا تزال تفتح المجال أمام المنتج الأجنبي رغم توافر البديل المحلي بل وتوفر المكون الدولارى لمهمات تصنع محليا وتشترى بالعملة المحلية.
وصناعة أبراج نقل الكهرباء من الصناعات التي حققت تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، حيث استثمرت الشركات المصرية مئات الملايين من الجنيهات في إنشاء خطوط إنتاج حديثة ومصانع جلفنة متطورة، إلى جانب تطوير نظم الجودة والاختبارات الفنية وتأهيل العمالة المتخصصة، بما مكنها من تلبية احتياجات المشروعات القومية العملاقة وتنفيذ مشروعات داخل مصر وخارجها وفقاً للمواصفات العالمية.
تساؤلات حول الالتزام بقانون تفضيل المنتج المحلي
ورغم ذلك، لا تزال بعض المناقصات التي تطرحها الشركة المصرية لنقل الكهرباء تفتح الباب أمام استيراد أبراج ومهمات نقل الكهرباء من الخارج، وهو ما يثير تساؤلات لدى المصنعين المحليين حول مدى الالتزام الفعلي بفلسفة قانون تفضيل المنتج المحلي، ومدى توافق هذه السياسات مع توجهات الدولة الداعمة للصناعة الوطنية.
وتبرز هذه التساؤلات بصورة أوضح في عدد من المشروعات الاستراتيجية الكبرى، ومنها مشروعات خطوط الجهد الفائق بقدرة 500 كيلوفولت، التي تمثل فرصاً حقيقية لتعظيم الاستفادة من القدرات التصنيعية المصرية، خاصة أن المصانع المحلية تؤكد امتلاكها الإمكانيات الفنية والإنتاجية اللازمة لتلبية احتياجات هذه المشروعات.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ضوء المناقصات المطروحة حالياً لتوريد أبراج خطوط الجهد الفائق، ومن بينها المناقصة رقم (38-2025-2026) الخاصة بمشروع برج العرب/ وادي النطرون – الضبعة جهد 500 كيلوفولت، وكذلك المناقصة رقم (25-2025-2026) الخاصة بمشروعات خليج السويس جهد 500 كيلوفولت، وهي مشروعات تمثل فرصاً كبيرة لتشغيل الطاقات الإنتاجية المتاحة بالمصانع المصرية وتعظيم الاستفادة من الاستثمارات المحلية في هذا القطاع الاستراتيجي.
الأربعاء المقبل.. اختبار جديد للمنتج المحلي
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية مع اقتراب موعد استلام وفتح المظاريف الخاصة بإحدى المناقصتين الرئيسيتين لمشروعات أبراج الجهد 500 كيلوفولت، والمقرر لها يوم الأربعاء المقبل، وسط ترقب من المصنعين المحليين لنتائج الطرح وما إذا كانت ستعكس توجهات الدولة الداعمة للصناعة الوطنية وتطبيق قانون تفضيل المنتج المحلي، أم ستستمر الأفضلية للمنتجات المستوردة رغم توافر القدرات التصنيعية المصرية.
مزايا تنافسية للمنتج المستورد
ولا تكمن المشكلة في مبدأ المنافسة ذاته، فالمنافسة العادلة تظل من أهم أدوات تحسين الجودة وخفض التكلفة ورفع الكفاءة، لكن جوهر الأزمة يتمثل في وجود معاملة ضريبية وجمركية تمنح في بعض الحالات للمهمات المستوردة ضمن المشروعات القومية، بما يخلق ميزة سعرية للمنتج الأجنبي على حساب المنتج المصري داخل السوق الوطنية.
ففي الوقت الذي يتحمل فيه المصنع المحلي ضريبة القيمة المضافة كاملة بنسبة 14% إلى جانب تكاليف التشغيل والطاقة والتمويل والأجور والاستثمارات الصناعية، تتمتع بعض الواردات المرتبطة بالمشروعات القومية بتيسيرات ضريبية وجمركية تقلص الفارق السعري بصورة كبيرة، ما يدفع بعض المقاولين إلى تفضيل الاستيراد باعتباره الأقل تكلفة من الناحية المالية المباشرة.
ويشير عدد من المصنعين إلى أن الشركة المصرية لنقل الكهرباء تمنح بعض المقاولين خطابات موجهة إلى الجهات الجمركية تتيح سداد رسوم جمركية وضريبية مخفضة 5%جمارك و 5% ضريبة قيمة مضافة تحت مبرر اعتبار الشحنات مستلزمات إنتاج، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تأثير هذه الإجراءات على تكافؤ الفرص بين المنتج المحلي والمستورد.
أثر الاستيراد على الاقتصاد الوطني
الأمر لا يتعلق فقط بالمنافسة التجارية، بل يمتد إلى قضية أكثر أهمية ترتبط بالاقتصاد القومي.
فكل برج يتم استيراده من الخارج يعني خروج المزيد من العملة الأجنبية لسداد قيمته بالدولار، في وقت تسعى فيه الدولة إلى ترشيد الواردات وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي.
وفي المقابل، يحقق التصنيع المحلي قيمة مضافة مباشرة من خلال تشغيل المصانع المصرية والعمالة الوطنية والصناعات المغذية المرتبطة بها، فضلاً عن توفير حصيلة ضريبية للدولة ودعم سلاسل الإمداد المحلية وتعزيز القدرة الصناعية الوطنية.
مطالبات بتشديد الرقابة الفنية
ويطالب المصنعون المحليون بضرورة تشديد الرقابة الفنية على جميع المهمات المستوردة والتأكد من مطابقتها الكاملة للمواصفات القياسية المصرية والعالمية المعتمدة.
كما تتردد مخاوف داخل القطاع من لجوء بعض الشركات الأجنبية إلى استخدام خامات أو قطاعات حديدية بدرجات صلابة أقل بهدف خفض التكلفة وزيادة القدرة التنافسية السعرية، وهو ما يستدعي إخضاع جميع الأبراج المستوردة لفحوص واختبارات صارمة للتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية المعتمدة، خاصة أنها تمثل جزءاً أساسياً من البنية التحتية للطاقة وأمن الشبكة القومية للكهرباء ولنا فى المستورد عبرة كبيرة فى عقد شركة بهارات الهندية التى وردت محولات فاسدة ولم تحل هذه المشكلة رغم مرور اكثر من 20 عاما.
صناعة استراتيجية تستحق الحماية
ولا تتوقف التداعيات عند حدود الصناعة فقط، بل تمتد إلى سوق العمل والاستثمار، حيث يؤدي تراجع الطلب على المنتج المحلي إلى انخفاض معدلات تشغيل المصانع وتأجيل خطط التوسع وتقليص فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن إضعاف الصناعات المغذية المرتبطة بصناعة الصلب والجلفنة والنقل والخدمات الهندسية.
كما أن استمرار الاعتماد على الموردين الأجانب في صناعة استراتيجية مثل أبراج الكهرباء يثير تساؤلات حول مدى توافق ذلك مع خطط الدولة الرامية إلى توطين الصناعات الحيوية وتعزيز الأمن الصناعي وتقليل الاعتماد على الخارج.
السؤال الذي ينتظر الإجابة
إن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق بحماية شركة أو مصنع بعينه، بل تتعلق بالحفاظ على صناعة وطنية تمتلك فيها مصر خبرات متراكمة وقدرات إنتاجية متقدمة واستثمارات ضخمة جرى ضخها على مدار سنوات طويلة، وبمدى الالتزام الفعلي بتطبيق قانون تفضيل المنتج المحلي الذي أقرته الدولة دعماً للصناعة الوطنية.
مناشدة لتطبيق القانون
ويطالب قطاع كبير من المصنعين الوطنيين وزير الكهرباء ورئيس الشركة المصرية لنقل الكهرباء بتفعيل قانون تفضيل المنتج المحلي، تنفيذاً لتوجيهات الدولة ودعماً للصناعة الوطنية والحفاظ على العملة الأجنبية.
ويبقى السؤال المطروح أمام الجهات المعنية: إذا كانت أبراج الكهرباء تُصنع في مصر بقدرات إنتاجية متاحة وجودة تنافسية، فلماذا يستمر استيرادها من الخارج؟ وهل آن الأوان لإعادة النظر في هذا الملف بما يضمن التطبيق الكامل لقانون تفضيل المنتج المحلي، ويحافظ على العملة الصعبة، ويدعم الصناعة الوطنية التي تمثل أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية في مصر؟






























