عندما توضع العربة أمام الحصان، فإن النتيجة الطبيعية ليست سرعة الوصول، بل اضطراب المسار وربما انقلاب العربة نفسها. وهذا هو جوهر الإشكالية عند الحديث عن الوصول إلى نسبة 45% من الطاقة المتجددة أو النظيفة خلال عامين، بينما لم تتجاوز النسبة الفعلية للطاقة المتجددة في أفضل صورها حاليا 14%، علما إن التقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر لعام 2023/2024 أشار إلى أن مساهمة الطاقات الجديدة والمتجددة، شاملة الرياح والشمس والمائي، بلغت 11.65% من إجمالي الطاقة المولدة.
ومع ذلك، فإن ما أعلنته وزارة الكهرباء خلال اجتماعها مع شركة نكسس أناليتيكا (Nexus Analytica) بشأن بحث آليات تنظيم سوق الكهرباء، ووضع الأطر التنظيمية والضوابط الخاصة بالسوق، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، والفصل بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، والاستعانة بالتحول الرقمي وتحليل البيانات وإدارة اتفاقيات شراء الطاقة، يمثل خطوة مهمة تستحق التوقف عندها. فهذه الخطوة، إذا تحولت من توجه عام إلى برنامج تنفيذي ملزم، يمكن أن تكون بداية تصحيح المسار، لا مجرد إضافة شكلية إلى مشهد الطاقة.
المشكلة إذن ليست في الطموح؛ فالطموح مطلوب، ولا توجد دولة تستطيع أن تواجه تحديات الوقود وتوفير العملة الصعبة، وتغير المناخ، والتنافسية الصناعية، وآليات الكربون العابرة للحدود، دون توسع جاد في الطاقة النظيفة. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الهدف الرقمي إلى شعار يسبق أدوات التنفيذ، وتتقدم النسبة المعلنة على دراسات الشبكة، ونماذج التعاقد، وجاهزية السوق، وقدرات التخزين، وأنظمة التنبؤ، وآليات التحكم، وحوكمة العلاقة بين المالك والمقاول والاستشاري والمشغل والمنظم والمستهلك.
الحسابات الرقمية: ماذا تعني 45% فعليًا؟
إذا كانت الطاقة الكهربائية المولدة في مصر خلال عام 2024/2025 في حدود 235 تيراوات ساعة، وبافتراض معدل زيادة سنوية متواضع قدره 3%، فإن الطاقة المولدة المتوقعة في عام 2028 تصبح كما يلي:
الطاقة المولدة في 2028 = 235 × (1.03)² = 249.3 تيراوات ساعة تقريبًا ويمكن تقريبها إلى 250 ت وات س سنويًا
وبالتالي فإن نسبة 45% طاقة متجددة تعادل 112.5 تيراوات ساعة
وإذا افترضنا أن مساهمة الطاقة المتجددة الحالية في أفضل تقدير تصل إلى 14% من إجمالي الطاقة المولدة، فإن إنتاج الطاقة المتجددة الحالي يعادل تقريبًا 235 × 14% = 32.9 تيراوات ساعة أي حوالي 33 تيراوات ساعة سنويًا
وبذلك تكون الفجوة المطلوب إضافتها للوصول إلى 45% في 2028 هي: 112.5 – 33 = 79.5 تيراوات ساعة سنويًا أي حوالي 80 تيراوات ساعة إضافية .
وبحسابات معامل السعة، وبافتراض أن معامل السعة للطاقة الشمسية في حدود 21%، وأن معامل السعة لطاقة الرياح في حدود 35%، فإن كل 1 جيجاوات شمسي ينتج تقريبًا: 1.84 تيراوات ساعة سنويًا
بينما كل 1 جيجاوات رياح ينتج تقريبًا 3.07 تيراوات ساعة سنويًا
وعليه، فإن سد الفجوة الإضافية وحدها، يحتاج
تقريبا الي أحد السيناريوهات الاتية

هذه الأرقام لا تمثل مجرد قدرات مركبة يمكن كتابتها في بيان، بل تمثل مشروعات تحتاج إلى أراضٍ، وتراخيص، وتمويل، وإغلاق مالي، ومقاولين، واستشاريين، وربط بالشبكة، ومراكز تحكم، وتخزين، ونظم تنبؤ، واتفاقيات شراء طاقة، وقواعد سوق واضحة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل لدينا خلال عامين فقط خريطة مشروعات جاهزة تستطيع أن تضيف إنتاجًا فعليًا يقارب 80 تيراوات ساعة سنويًا؟ وهل الشبكة جاهزة لاستيعاب هذه القدرات؟ وهل السوق قادر على تمويلها وتشغيلها؟ وهل النموذج المؤسسي الحالي يسمح بسرعة الحركة؟ أم أننا نكرر نفس نمط الإعلان أولًا ثم البحث عن أدوات التنفيذ لاحقًا؟
القدرة المركبة ليست طاقة منتجة
من أكثر الأخطاء شيوعًا في مناقشة الطاقة المتجددة هو الخلط بين القدرة المركبة بالميجاوات والطاقة المنتجة بالميجاوات س.
فقد نضيف آلاف الميجاوات من الطاقة الشمسية أو الرياح، ولكن مساهمتها في الطاقة الفعلية تعتمد على معامل السعة، وعدد ساعات التشغيل وإمكانية الاستفادة بالطاقة المنتجة وتأثيرها على المحطات التقليدية ونظم تشغيل الشبكة، وموقع المحطة، وحالة الشبكة، وقدرة المنظومة على الاستيعاب، وحجم الطاقة المهدرة أو المقيدة نتيجة عدم القدرة على التصريف أو عدم توافر المرونة الكافية.
الطاقة الشمسية لها طبيعة تشغيلية مرتبطة بساعات النهار وشدة الإشعاع، وتبلغ ذروتها غالبًا في وقت لا يتطابق بالضرورة مع ذروة الطلب المسائية.
أما طاقة الرياح فتتغير حسب الموقع والموسم وسرعة الرياح، ولا يمكن التعامل معها كمصدر تقليدي متاح عند الطلب. والطاقة المائية محدودة بقدرات قائمة منذ سنوات وبظروف مائية وتشغيلية لا تسمح بقفزات كبيرة.
لذلك، فإن الحديث عن 45% خلال عامين يجب أن يبدأ من الطاقة المنتجة فعليًا، لا من القدرات المركبة فقط.
فالاقتصاد القومي لا يستفيد من لوحة اسمية على محطة لا تنتج، ولا من قدرة متاحة على الورق لا تستطيع الشبكة استيعابها.
المشروع من خلال تحرير السوق
المشروعات القومية الكبرى تحتاج نموذج التعاقد مثل EPC، BOO ، BOOT ، IPP أم تعاقدات ثنائية بين القطاع الخاص والقطاع الخاص B2B وهل الشبكة جاهزة فنيًا وتنظيميا لاستقبال هذه الطاقة؟ وهل توجد اتفاقيات شراء طاقة قابلة للتمويل؟ وهل توجد تعريفة عبور عادلة؟ وهل السوق محرر فعلًا أم لا يزال قائمًا على مشتري وحيد؟
اعلان النسبة 45 % ثم نبحث عن تفاصيل التنفيذ، يشبه وضع العربة أمام الحصان رغم تأخرنا منذ سنوات عن تسريع الاجراء.
الشبكة ليست فقط لنقل الطاقة
ليس بجديد القول بان الشبكة الكهربائية ليست مجرد خطوط ومحولات تنقل الطاقة من المنتج إلى المستهلك وان الشبكة هي منظومة توازن لحظي بين الإنتاج والاستهلاك، وفيها تردد وجهد واستقرار الامداد وقدرات احتياطية واقفة ودوارة وتحكم مركزي وتنبؤ بالأحمال وتنبؤ بالإنتاج المتغير. كلما زادت نسبة الطاقة الشمسية والرياح، زادت الحاجة إلى:
• مراكز تحكم متطورة قادرة على إدارة التغير السريع في الإنتاج.
• أنظمة تنبؤ دقيقة للإشعاع الشمسي وسرعة الرياح والأحمال.
• قدرات تخزين كهربائي وبطاريات أو ضخ وتخزين أو حلول مرونة أخرى.
• احتياطي دوار واحتياطي سريع الاستجابة.
• تحديث أكواد الشبكة ومتطلبات الربط.
• آليات واضحة لتقليل الطاقة المهدرة أو المقيدة.
• عدادات ذكية وأنظمة قياس وتسوية تجارية.
• مشاركة جانب الطلب في إدارة الأحمال.
• قدرات كافية للتحكم في الجهد والقدرة غير الفعالة.
• قواعد واضحة لتشغيل المحطات التقليدية عند نسب تحميل اقتصادية.
بدون هذه المتطلبات واعتقد انها حاليا تحتاج الكثير من الاستكمال، فإن زيادة القدرات المركبة قد تتحول إلى عبء تشغيلي، وقد نجد أنفسنا أمام محطات قائمة (تقليدية ومتجددة) لا تنتج بكامل طاقتها، أو إنتاج متجدد لا تستطيع الشبكة استيعابه، أو محطات تقليدية تعمل عند أحمال غير اقتصادية فقط لحماية استقرار الشبكة.
تحرير السوق هو الأصل الغائب
من أهم محددات التوسع الحقيقي في الطاقة المتجددة أن يكون هناك سوق كهرباء قادر على جذب الاستثمار وتحويل المستهلك الكبير من متلقٍ سلبي إلى طرف فاعل في التعاقد وإدارة الطاقة.
لا يكفي أن تقيم الدولة مشروعات مركزية كبيرة، بل يجب أن تفتح المجال المنظم أمام تعاقدات القطاع الخاص مع القطاع الخاص، خاصة في المصانع، والمناطق الصناعية، والمطورين العقاريين، والمشروعات الزراعية، وسلاسل التصدير التي ستتأثر بآليات الكربون مثل CBAM.
تحرير السوق لا يعني الفوضى، بل يعني وجود قواعد واضحة للآتي:
• استخدام الشبكة مقابل تعريفة عبور عادلة.
• التعاقدات الثنائية بين المنتج والمستهلك.
• حماية المستهلك من الممارسات الاحتكارية.
• دعم مستحقي الدعم فقط بدلًا من دعم عام غير موجه.
• تمكين المنتج المستقل للطاقة.
• تفعيل دور جهاز تنظيم مرفق الكهرباء.
• فصل الأدوار بين المالك، والمنظم، والمشغل، والمشتري، ومقدم الخدمة.
• تمكين شركة النقل من أداء دورها كمشغل مستقل وحيادي للشبكة والسوق.
• إتاحة بيانات الشبكة والقدرات المتاحة للربط بصورة شفافة ومنظمة.
بدون تحرير حقيقي ومنظم للسوق، سيظل التوسع في الطاقة المتجددة محكومًا بقدرة الدولة وحدها على التمويل والتعاقد والشراء، وهذا لن يكون كافيًا لتحقيق قفزة ضخمة خلال فترة قصيرة. بل إن استمرار النموذج الحالي يقيّد حركة شركة النقل كمشغل مستقل، ويجعلها في وضع لا يسمح لها بإدارة سوق مفتوحة بكفاءة وحياد كاملين. وهنا يصبح السؤال: هل نريد سوقًا كهربائية حديثة قادرة على جذب القطاع الخاص والمستهلكين الكبار، أم نريد تكرار النموذج نفسه الذي يحصر الحركة داخل ترتيبات مؤسسية لم تعد مناسبة لمرحلة التحول الطاقي؟
هل الهدف ممكن؟
الإجابة المهنية ليست “نعم” أو “لا” بصورة مطلقة، بل تعتمد على تعريف الهدف.
إذا كان المقصود 45% من الطاقة الكهربائية المنتجة من مصادر متجددة فقط خلال عامين، فإن ذلك يبدو شديد الصعوبة في ضوء ما تحقق خلال السنوات الماضية، وفي ضوء متطلبات التنفيذ والربط والتشغيل.
وبالتالي وجب صياغة برنامج تنفيذي تفصيلي بمشروعات محددة ومسؤوليات واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس وبدون هذه العناصر، فهو أقرب إلى الأمنيات منه إلى إدارة المشروعات.
وبناء عليه فان الوصول إلى 45% طاقة نظيفة أو متجددة ليس مستحيلًا من حيث المبدأ، ولكنه مستحيل إذا ظل مجرد رقم معلن دون مشروع متكامل من خلال خارطة طريق، والقدرات المطلوبة، ومصادر التمويل، ومواقع المشروعات، ودراسات الشبكة، وبرنامج التخزين، ونموذج السوق، وآليات حماية المستهلك واستخدام نظم اقتصادية لتحقيق السعر العادل والمنافس.
كنت أتمنى أن يتم السعي لتحقيق هذا الهدف من خلال سوق كهرباء محررة ومنظمة، لا من خلال استمرار السوق الحالي الذي يقيّد حركة شركة النقل ويضعف دورها كمشغل مستقل ومحايد للشبكة والسوق. كنت أتمنى أن يتحول الهدف إلى فرصة لإصلاح هيكلي حقيقي، يفتح المجال أمام تعاقدات القطاع الخاص مع القطاع الخاص، ويضمن حماية المستهلك، ويوجه الدعم لمستحقيه، ويجعل الشبكة منصة عادلة للتداول والنفاذ، لا مجرد أداة لنقل الطاقة وفق النموذج التقليدي.
وأنا على يقين أن السيد الوزير يمتلك من الدراية والخبرة والحنكة ما يجعله أكثر حرصًا على عدم الوقوع في مصيدة الإعلان عن نسب يصعب تحقيقها دون أدوات تنفيذ واضحة.
فالأولوية الاستراتيجية الأجدر بالرعاية ليست مجرد إعلان رقم طموح، وإنما إعادة هيكلة المرفق وتمكين السوق وتحرير حركة شركة النقل كمشغل مستقل ومحايد وهو ما يسعى اليه رغم كل التحديات والمعوقات الموروثة، وإلا فقد يتحول الهدف المعلن، بدلًا من أن يكون مدخلًا للإصلاح، إلى عبء ومسؤولية؛ وإن لم تكن مساءلة قانونية، فستكون حتمًا مساءلة تاريخية أمام القطاع والرأي العام والأجيال القادمة. مع كامل احترامي وتقديري لكل جهد مبذول لتصحيح المسار وتطوير الأدوات والاليات لتحقيق الهدف.






























