شهدت خلال زيارتي الأخيرة إلى جمهورية تنزانيا تجربة مهنية ثرية أعادت التأكيد على حقيقة اقتصادية كثيرًا ما نغفل عنها، وهي أن نجاح الاستثمار لا يرتبط بوفرة الموارد بقدر ارتباطه بكفاءة إدارتها.
ففي العديد من الدول الأفريقية، يواجه المستثمر تحديات استثنائية تتمثل في ارتفاع الضرائب والرسوم الجمركية، وصعوبة إجراءات الاستيراد، وطول سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتمويل، إلى جانب محدودية توافر بعض الخامات والمعدات. هذه الظروف تجعل أي قرار خاطئ في الشراء أو التخزين أو التشغيل مكلفًا للغاية، وقد يؤثر بصورة مباشرة على استمرارية المشروع وقدرته التنافسية.
ومن هنا، لم يعد خفض التكلفة يعني شراء الأرخص، بل أصبح يعني الإدارة الذكية للموارد وتعظيم القيمة المضافة من كل أصل تمتلكه المؤسسة.
إن المصنع الناجح ليس هو الذي يشتري أكثر، وإنما الذي يهدر أقل. وليس الذي يمتلك أحدث المعدات فقط، بل الذي يحقق أعلى كفاءة تشغيلية من أصوله الحالية، ويطيل عمرها الافتراضي من خلال الصيانة الوقائية والإدارة الاحترافية للأصول.
ومن واقع الخبرة العملية، أرى أن هناك خمسة محاور تمثل حجر الأساس لاستدامة الاستثمار في الاقتصادات الناشئة:
أولًا: التحول من ثقافة الإنفاق إلى ثقافة تعظيم العائد على كل مورد، سواء كان مادة خام أو آلة أو وقت عمل أو رأس مال.
ثانيًا: بناء سلاسل إمداد مرنة تعتمد على تنويع مصادر التوريد، وزيادة الاعتماد على الموردين المحليين متى توافرت الجودة، بما يقلل المخاطر ويخفض التكلفة.
ثالثًا: الاستثمار في العنصر البشري، لأن العامل المدرب قادر على تقليل الفاقد، وتحسين الجودة، والمحافظة على المعدات، وهو استثمار يحقق عائدًا مستدامًا يفوق تكلفة التدريب.
رابعًا: تبني التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في إدارة المخزون، والتنبؤ بالاحتياجات، وتحليل البيانات، واتخاذ القرار، حيث أصبحت التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في رفع كفاءة التشغيل وتسريع الاستجابة للمتغيرات.
خامسًا: ترسيخ ثقافة التحسين المستمر، بحيث تصبح مراجعة العمليات وتقليل الهدر وتحسين الأداء ممارسة يومية، وليست مشروعًا مؤقتًا.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات التي تتبنى مبادئ الإدارة الرشيقة (Lean Management)، وإدارة الأصول (Asset Management)، والاقتصاد الدائري (Circular Economy)، تحقق قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، وتصبح أكثر استدامة وربحية، حتى في البيئات التي تعاني من محدودية الموارد.
إن أفريقيا تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، وأسواقًا واعدة، وموارد بشرية قادرة على صنع الفارق. لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب تغييرًا في الفكر الإداري، بحيث يصبح الحفاظ على الموارد وتعظيم الاستفادة منها ثقافة مؤسسية، لا مجرد إجراء لتقليل النفقات.
فالمستقبل لن يكون من نصيب الشركات التي تنفق أكثر، بل للشركات التي تدير مواردها بكفاءة أعلى، وتبني قراراتها على العلم والبيانات والتخطيط طويل المدى.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به المؤسسات العاملة في أفريقيا ليس شراء مزيد من الأصول، وإنما بناء منظومة إدارية قادرة على استخراج أقصى قيمة من كل أصل تمتلكه. وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين مؤسسة تناضل من أجل البقاء، وأخرى تصنع مستقبلها بثقة واستدامة.
د. عمرو إبراهيم
مدير الإمدادات – شركة السويدي كابلات






























