يستند هذا التحليل إلى بيانات التقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر عن العام المالي 2024/2025، أي إلى موقف المحطات حتى 30 يونيو 2025. وقد أفاد بعض الزملاء، تعليقًا على المقالين السابقين، بأن عددًا من الوحدات المشار إليها جرى تكهينها بعد هذا التاريخ، وهو ما يؤكد أهمية التقييم الدوري للأصول واتخاذ قرارات واضحة بشأن الوحدات منخفضة الجدوى.
ولا يستهدف هذا التحليل انتقاد شركة أو محطة بعينها، وإنما تقديم قراءة رقمية مبسطة تكون مرجعًا يستفيد منه المتخصص وغير المتخصص، وتوضح الفرق بين الكفاءة والإتاحية والاستغلال الفعلي والجدوى الاقتصادية. ونتناول هنا محطات شركات وسط الدلتا، وغرب الدلتا، والوجه القبلي، والمحطات التابعة مباشرة للشركة القابضة لكهرباء مصر، بدءًا بأفضل المحطات أداءً في كل شركة، ثم الأقل أداءً.
أولًا: المحطات التابعة مباشرة للشركة القابضة
تضم هذه المجموعة محطات سيمنز الثلاث: بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب خليج السويس وبورسعيد شرق التفريعة. وتتصدر محطات سيمنز الأداء الفني، بمتوسط كفاءة حرارية بلغ نحو 57.84%، ومعدل استهلاك وقود يقارب 151.7 جم/ك.وس، ومعامل سعة في حدود 63.2%.
وجاء ترتيبها على النحو التالي:
– بني سويف: كفاءة نحو 58% ومعامل سعة يقارب 65.8%.
– البرلس: كفاءة نحو 57.65% ومعامل سعة يقارب 62.7%.
– العاصمة الإدارية: كفاءة نحو 57.77% ومعامل سعة يقارب 61.5%.
وتؤكد هذه المؤشرات التفوق الفني لمحطات الدورة المركبة الحديثة في استهلاك الوقود، إلا أن الكفاءة الحرارية وحدها لا تكشف التكلفة الإجمالية لوحدة الطاقة المنتجة، نظرًا إلى عناصر التكلفة الأخرى من عقود صيانة وتشغيل وقروض، لزوم المقارنة الاقتصادية العادلة.
وتنخفض المؤشرات في خليج السويس إلى كفاءة تقارب 40.16%، واستهلاك وقود نحو 218 جم/ك.وس، ومعامل سعة في حدود 27.3%. أما بورسعيد شرق التفريعة، فسجلت كفاءة تقارب 41%، لكن معامل السعة لم يتجاوز نحو 3.4%. ومن المعلوم أن المحطتين كانتا بنظام BOOT، وتم نقلهما إلى القابضة.
ثانيًا: شركة وسط الدلتا
حققت شركة وسط الدلتا متوسط كفاءة حرارية بلغ نحو 52.81%، واستهلاك وقود يقارب 166 جم/ك.وس. ويرجع هذا الأداء الجيد إلى ارتفاع نسبة محطات الدورة المركبة الحديثة ضمن مزيج قدرات الشركة، ويأتي ترتيب المحطات كالتالي:
– طلخا 750 المركبة: كفاءة نحو 55.82% واستهلاك يقارب 157 جم/ك.وس.
– النوبارية 3: كفاءة تقارب 54.6% واستهلاك نحو 163 جم/ك.وس.
– العطف المركبة: كفاءة نحو 54.36%، ومعامل سعة يتجاوز 71%.
– بنهـا المركبة: كفاءة نحو 54%، ومعامل سعة يتجاوز 70%.
– النوبارية 1 و2: كفاءة نحو 52.31%.
وعلى الجانب الآخر، سجلت المحمودية المركبة كفاءة تقارب 20.5%، واستهلاك وقود اقترب من 430 جم/ك.وس، ومعامل سعة يقل عن نصف نقطة مئوية، وهي من المحطات المخطط تكهينها.
كما سجلت المحمودية الجديدة كفاءة تقارب 28.7%، واستهلاكًا يتجاوز 300 جم/ك.وس، ومعامل سعة في حدود 1.2% فقط، رغم إتاحية قاربت 100%.
وتعني هذه الأرقام أن وحدات المحمودية لم تعمل كمحطات إنتاج أساسية خلال العام، بل كانت أقرب إلى احتياطي محدود الاستخدام، مع استمرار تحمل تكاليفها الثابتة.
كما ظهرت بعض وحدات طلخا دون إنتاج وبطاقة مرسلة بالسالب، مع إتاحية 100%، أي إنها ظلت احتياطيًا غير مستخدم طوال العام، مما يتطلب المراجعة والتدقيق.
ثالثًا: شركة غرب الدلتا
بلغ متوسط كفاءة شركة غرب الدلتا نحو 42.63%، مقابل 52.81% لوسط الدلتا وقرابة 57% لمحطات سيمنز.
ولا يعكس هذا الفارق بالضرورة قصورًا في التشغيل؛ إذ يرجع بدرجة كبيرة إلى تكوين محفظة التوليد نفسها. فغرب الدلتا لا تضم نسبة كبيرة من محطات الدورة المركبة الحديثة مقارنة بوسط الدلتا أو المحطات التابعة للقابضة، بينما تعتمد بدرجة أكبر على وحدات بخارية وغازية أقدم وأقل كفاءة تصميميًا.
وتأتي سيدي كرير المركبة في مقدمة محطات الشركة، بكفاءة تجاوزت 54%، تليها بعض وحدات سيدي كرير البخارية ومطروح، بينما تنخفض كفاءة عدد من الوحدات الأخرى إلى مستويات بين 32% و40%.
وسجلت الشركة معدل استهلاك وقود بلغ نحو 207 جم/ك.وس، أي أعلى من وسط الدلتا بنحو 25% تقريبًا، وأعلى من محطات سيمنز بنحو 36% ويرتبط ذلك باختلاف التكنولوجيا المستخدمة والأعمار وأنماط التشغيل والأحمال.
لكن التحدي الأكبر يظهر في المحطات التي لم تنتج طاقة خلال العام:
– كفر الدوار البخارية: طاقة مرسلة سالبة بنحو 6.25 جيجاوات ساعة.
– دمنهور المركبة: طاقة مرسلة سالبة بنحو 2.08 جيجاوات ساعة.
– أبو قير البخارية 1–4: طاقة مرسلة سالبة بنحو 10.48 جيجاوات ساعة.
وبذلك سحبت هذه المحطات الثلاث نحو 18.8 جيجاوات ساعة من الشبكة دون إنتاج مقابل، رغم تسجيل إتاحية 100%. ولا تعني الإتاحية هنا تحقيق أداء إنتاجي كامل، وإنما تعني أن الوحدات ظلت مصنفة كاحتياطي متاح ولم تُستخدم طوال العام.
وقد أفاد بعض الزملاء بأن عددًا من هذه الوحدات جرى تكهينه بعد 30 يونيو 2025، وهو تطور لا يظهر بطبيعة الحال في التقرير محل التحليل.
رابعًا: شركة الوجه القبلي
بلغ متوسط الكفاءة الحرارية لشركة الوجه القبلي نحو 44.76%، ومعدل استهلاك الوقود قرابة 196 جم/ك.وس، ومعامل السعة نحو 34%، مع إتاحية إجمالية تجاوزت 91%.
وتأتي الكريمات المركبة 1 في مقدمة محطات الشركة من حيث الكفاءة، بنحو 54.55% واستهلاك يقارب 161 جم/ك.وس، إلا أن معامل سعتها كان في حدود 20.7% فقط. ويعني ذلك أن الوحدة جيدة فنيًا، لكنها لم تُستغل بالقدر الكافي خلال العام.
وتليها الكريمات المركبة 2 بكفاءة تقارب 51.13% ومعاملات تشغيل أفضل، ما يجعلها من الأصول الأعلى قيمة بالشركة.
ثم تأتي غرب أسيوط المركبة بكفاءة بلغت نحو 45.83%، لكن معامل سعتها لم يتجاوز قرابة 19%، رغم ارتفاع الإتاحية إلى نحو 99%. وتوضح هذه الحالة مرة أخرى أن الإتاحية المرتفعة تعني أنها احتياطي طبقًا لتعليمات التحكم القومي.
وسجلت جنوب حلوان كفاءة تقارب 43.3% ومعامل سعة يدور حول 41%، بينما حققت أسيوط الوليدية الجديدة كفاءة تقارب 43% ومعامل سعة يقترب من 50%، وإن انخفضت إتاحيتها إلى نحو 68%، وهو مؤشر يستحق دراسة أسباب الخروج وعدم الإتاحة.
وتنخفض المؤشرات في المحطات البخارية الأقدم:
– الكريمات البخارية: كفاءة تقارب 40% واستهلاك وقود يقارب 219 جم/ك.وس، مع معامل سعة نحو 26%.
– الوليدية البخارية: كفاءة تقارب 37.45% واستهلاك وقود نحو 234 جم/ك.وس، ومعامل سعة يقارب 32%.
وتكشف بيانات الوجه القبلي عن نقطة مهمة: بعض المحطات تتمتع بكفاءة أو إتاحية جيدة، لكن معامل سعتها منخفض، بما يعني أن المشكلة ليست دائمًا في القدرة الفنية، وإنما قد تكون في ترتيب التشغيل الاقتصادي، أو قيود الوقود، أو احتياجات الشبكة، أو انخفاض الطلب على تشغيلها.
وفي الوقت نفسه، يجب مراعاة الأهمية الجغرافية لمحطات الوجه القبلي؛ فقد تؤدي دورًا أساسيًا في دعم الجهد، وتأمين التغذية في جنوب مصر، وتقليل الاعتماد على نقل الطاقة لمسافات طويلة. وهذه الخدمات يجب قياس قيمتها قبل اتخاذ قرار بشأن التأهيل أو الاستمرار أو الخروج.
الكفاءة الحرارية ليست التكلفة الاقتصادية
تثبت محطات سيمنز تفوقًا واضحًا في الكفاءة واستهلاك الوقود، لكن التقرير الفني لا يوفر البيانات الكافية لمقارنة التكلفة الإجمالية للكيلوات ساعة بينها وبين المحطات الأخرى.
وقد تكون محطة قديمة أعلى في تكلفة الوقود، لكنها منخفضة القيمة الدفترية والأعباء التمويلية. وفي المقابل، قد تكون محطة حديثة شديدة الكفاءة، لكنها تتحمل تكلفة رأسمالية وتمويلية وصيانة طويلة الأجل وعناصر أجنبية مرتفعة.
لماذا نقدم هذا التحليل؟
نقدم هذه السلسلة لتكون مرجعية مبسطة وموضوعية يستفيد منها المتخصص وغير المتخصص، وللمساهمة في نشر ثقافة قراءة الأرقام وربط المؤشرات الفنية بالنتائج المالية والتجارية.
أما بالنسبة لي، فأنا أمارس هوايتي التي كانت مهنتي طوال سنوات الخدمة: مراقبة وتحليل الأداء الفني والمالي والتجاري لقطاع الكهرباء، انطلاقًا من الحرص على تطوير القطاع والحفاظ على أصوله وتعظيم الاستفادة من موارده.
د.م. محمد سليم سالمان
استشاري الطاقة والاستدامة






























