في عالم الأعمال، كثيرًا ما نفخر بسرعة اتخاذ القرار، لكن السؤال الأهم هو: هل كان القرار صحيحًا؟
وتزداد صعوبة الإجابة عندما تدير المؤسسة عدة مشروعات في الوقت نفسه، وجميعها مرتبطة بمواعيد تسليم متقاربة، بينما تتنافس على الموارد ذاتها، من السيولة والمواد الخام والموردين والمعدات إلى العمالة والطاقة الإنتاجية.
في هذه الحالة، قد يكون القرار سريعًا وصحيحًا بالنسبة لمشروع واحد، لكنه في المقابل يسبب مشكلة أكبر لمشروع آخر. وهنا لا تصبح القضية مجرد إدارة مشروع، وإنما إدارة تأثير القرار على الـBusiness ككل.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى أن يحل محل المدير، وإنما أن يمنحه قدرة أكبر على رؤية الصورة كاملة. فهو يستطيع تحليل كم هائل من البيانات في وقت قصير، وربط مواعيد التسليم بالمخزون والمشتريات والطاقة الإنتاجية والتدفقات النقدية، ثم مقارنة عدة سيناريوهات قبل اتخاذ القرار.
وبذلك ننتقل من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيحدث إذا اتخذنا هذا القرار؟
فقد يكون المورد الأقل سعرًا ليس هو الاختيار الأفضل، وقد يكون الشحن الأعلى تكلفة هو القرار الأكثر ربحية إذا كان سيمنع غرامة تأخير، أو توقفًا في الإنتاج، أو تعطل مشروع آخر، أو فقدان ثقة عميل.
لذلك، لا ينبغي قياس جودة القرار بحجم الوفر المباشر فقط، وإنما بإجمالي تأثيره على الأعمال.
وهذا هو جوهر أحد الاتجاهات الحديثة في الإدارة، وهو Decision Intelligence؛ أي الانتقال من استخدام البيانات لمجرد إعداد التقارير وعرض المؤشرات، إلى استخدامها في التنبؤ، والمفاضلة بين البدائل، وفهم النتائج المحتملة للقرار قبل تنفيذه.
ومع ذلك، تظل الخبرة البشرية عنصرًا لا غنى عنه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل ويتنبأ ويقارن بسرعة هائلة، لكن الإنسان يظل الأقدر على فهم الاستراتيجية، وطبيعة العميل، والسوق، والعلاقات التجارية، والظروف التي قد لا تظهر كاملة في الأرقام.
لذلك، فإن مستقبل الإدارة لن يكون صراعًا بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل شراكة تجمع بين خبرة الإنسان وقوة الذكاء الاصطناعي في التحليل والتنبؤ.
وفي عالم لا يمنح المؤسسات وقتًا طويلًا للتردد، قد يكون الفارق بين النجاح والخسارة مجرد قرار واحد؛ قرار اتُّخذ في الوقت المناسب، أو قرار تأخر، أو قرار سريع لم يرَ الصورة كاملة.
ولهذا، لن تكون المؤسسة الأقوى هي التي تتخذ أكبر عدد من القرارات، ولا حتى التي تتخذها بأعلى سرعة، بل التي تمتلك القدرة على رؤية أثر القرار قبل أن يتحول إلى تكلفة، ورؤية الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة، ورؤية الفرصة قبل أن يسبقها إليها الآخرون.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي:
ليس أن يتخذ القرار بدلًا منا، بل أن يساعدنا على ألا نكتشف بعد فوات الأوان أن قرارًا آخر كان هو الأصح.
ويبقى السؤال الذي يجب أن تطرحه كل إدارة على نفسها:
هل نريد أن نكون أسرع في اتخاذ القرارات… أم أذكى في صناعة القرارات؟
د.م. عمرو إبراهيم
مدير الإمدادات – السويدي كابلات






























