بقلم دكتور جيولوجى/حافظ على سليم “شركة جابكو”
ربما تختلف الظروف بين الحين والآخر ولكن تتشابه الأزمات البترولية التى مرت على مصر منذ إكتشاف البترول فى حقل جمسه بمنطقة جنوب خليج السويس ..
وفى جميع مراحل الأزمات كانت العناية الآلهية تحمى وتنقذ مصر فى عز الأزمات والصعاب ومنذ بداية تاريخ إكتشاف وصناعة البترول فى مصر ، جاءت على مصر فترات صعبة للغاية ، ومع كل محنة يأتى الفرج من عند الله بفضل عزيمة رجال البترول فى المواقع المختلفة وغرف العمليات التابعة لها حتى تنفرج الأزمات تلو الأزمات وقد أطلقت عليها هذا العنوان :
” الله يحمى وينقذ مصر فى عز الأزمات ” مفارقات بترولية ”
وأقدم إليكم هنا بعض الأزمات والمحن الكبيرة التى مرت بقطاع البترول المصرى وكيف كانت رحمة الله واسعة وبشائر الخير تأتى من حيث لاتدرى ..
أكتشفت مصر البترول فى منطقة جمسه عام 1886 ولم يكن إكتشافاً إقتصادياً ، وبعدها تم إكتشاف البترول بنفس المنطقة ( بكمية تجارية وإقتصادية ) فى عام 1909 وبدأ إنتاجه فى 1910 وأصبحت حاجة مصر شديدة للإستخدامات البترولية المتعددة .. ولكن حقل جمسه بدأ ينضب سريعاً فى عام 1913 ، وسريعاً يساند الله مصر فى إكتشاف حقل الغردقة فى ديسمبر 1913 ، ثم تبدأ الحرب العالمية الأولى فى أغسطس 1914 ، فينقذ الله مصر خلال فترة الحرب من خلال هذا الحقل الذى أصبح المصدر الرئيسى للبترول للدولة المصرية ..
ومرة ثانية يتكرر نفس السيناريو الذى حدث مع حقل الغردقة ، والذى تم إكتشافه قبل الحرب العالمية الأولى ، فقد تم إكتشاف حقل رأس غارب فى الأسبوع الأول من عام 1938 ، أى قبل نشوب الحرب العالمية الثانية 1939 ، فينقذ الله مصر بهذا الحقل وإنتاجه الغزير خلال فترة الحرب من عام 1939 حتى نهايتها فى 1945 .. وهذا الحقل يُعد مثيلاً لحقل المرجان فى هذه الفترة حيث أعتمدت عليه مصر كمصدراً رئيسياً فى إنتاجها البترولى ..
جدير بالذكر أنه خلال فترة الحرب العالمية الأولى والثانية كان يتعذر على السفن التى تحمل الصادرات والواردات بين دول العالم من المرور آمنة فى البحار والمحيطات ، لأنها كانت ولاتزال من أفضل وسائل نقل البضائع والتبادل التجارى العالمى بين الدول ببعضها البعض ..
ثم تكتشف مصر حقل المرجان فى عام 1965 ويبدأ إنتاجه قبل إندلاع حرب يونيه 1967 بشهر ونصف ( بدأ الإنتاج فى 13 أبريل 1967 ) ، فينقذ الله مصر بعد إحتلال حقول بترول سيناء التى كانت تمد مصر بحوالى 80 % من إنتاجها الكلى من البترول ..هذا هو القدر ، ودائماً ، الله يحمينا ويحمى مصر فى عز الأزمات ، وقصة حقل المرجان خير شاهد على ذلك ، فحقل المرجان حدوتة مصرية وهو يُعد بلا أدنى شك من أكبر حقول البترول المصرية على مر التاريخ ومازل فى مرحلة العطاء حتى الآن رغم مرور 50 عاماً على بداية إنتاجه ..
حقل المرجان حدوتة مصرية
وحقل المرجان هو حدوتة مصرية بكل المقاييس وشاهد على العصر ، فقد كانت بدايته قبل حرب يونيه 1967 ، ثم مروراً بحرب أكتوبر 1973 ، وخلال هذه الفترة العصيبة على مصر ، والتى أحُتلت فيها جميع حقول البترول المصرى فى سيناء ، كان حقل المرجان هو المعجزة الآلهية وبشرة الخير لمصر وقطاع البترول المصرى ، وقد تمثّلت العناية الآلهية فى إهداء مصر كنز بترولى وحقل كبير بما يتيح لمصر تعويض إنتاج الحقول المحتلة فى يونيه 1967 ، وأصبحت معظم آمال مصر البترولية تخرج من هذا الحقل ..
والأرقام خير دليل بأن الله يحمى مصر فى عز الأزمات مع عزيمة رجال جابكو ..
حيث بدأ حقل المرجان فى 13 أبريل من عام 1967 بمعدل يومى قدره 2000 برميل يومياً وخلال ثلاث سنوات فقط وصل متوسط إنتاجه إلى 300 الف برميل يومياً .. وفى 9 أغسطس 1970 يصل حقل المرجان إلى الرقم القياسى فى معدل الإنتاج 341 الف برميل يومياً .. هل تصدق ذلك ؟؟!!
ويصبح حقل المرجان أهم مورد بترولى لمصر بحوالى 70 % من الإنتاج الكلى ، وبالتالى ينقذ الله مصر وإقتصادها ويحميها بخير المرجان وبعزيمة رجال جابكو فى ظل الإحتلال الإسرائيلى ..وفى بداية 1973 وما بعدها ، تبدأ بشائر الخير مع إكتشافات حقول يوليو 1973 ، رمضان 1974 ، أكتوبر 1977 ، وإستلام حقول شعاب على 1979 ..
حقل غاز عملاق ( حقل ظُهر )
وخلال الفترة الماضية ( قبل ثورة يناير 2011 بقليل ، والفترة اللاحقة ) عجزت وتوقفت الحكومة المصرية عن سداد مستحقات الشركات الأجنبية مما أدى إلى تراكم المديونيات وتوقفت الشركات الأجنبية عن أعمال التطوير والتنمية وإمتناعها عن تمويل عمليات الإستكشاف وتنمية الحقول المكتشفة بسبب أزمة الديون حيث بلغت المستحقات وقتها أكثر من 7 مليارات دولار، وفى ظل التناقص الطبيعى فى إنتاج الغاز وعدم إستبداله بإكتشافات جديدة حدثت أزمة الغاز التى تعيشها مصر ..
وفى ظل هذه الأزمات جاء الفرج من خلال العملاق الجديد ” حقل ظُهر للغاز ” والذى تم إكتشافه فى منطقة إمتياز شروق البحرية التابعة لشركة إينى الإيطالية وتم الإعلان عنه يوم الأحد الموافق 30 أغسطس 2015 .. وقد تم الكشف بطبقات الميوسين الكربونية ( الحجر الجيرى ) بسمك نحو 630 متراً بالمياه المصرية العميقة بمنطقة البحر المتوسط ..
والحقيقة أن جمهورية مصر العربية كانت في أشد الإحتياج لمثل هذا الكشف العملاق وبالتحديد خلال هذه الحقبة الصعبة التى تمر بها مصر حيث كان الجميع فى حالة إنتظار لرحمة وعناية الله سبحانه وتعالى لهذا الوطن .. فهذا الإكتشاف يوفر لمصر إحتياطيات عملاقة من الغاز ويعيد تشغيل مصانع إسالة الغاز التى توقفت تماماً لعدم وجود الغاز الطبيعى .. ويساهم في جذب المزيد من الإستثمارات لتكثيف عمليات البحث والإستكشاف وذلك لدعم الإحتياطيات وزيادة معدلات الإنتاج ، وتأمين إحتياجات البلاد من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي ..
وتؤكد المعلومات أن الإكتشاف يحتوي على إحتياطيات أصلية تقدر بحوالى 30 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي ( تعادل نحو 5.5 مليار برميل من المكافيء النفطي ) ويغطى مساحة 100 كيلومتر مربع ، وربما يكون هذا الإكتشاف هو الأكبر على الاطلاق في البحر المتوسط ..
والمعلومات الأخيرة تؤكد إن عملية الإنتاج من الحقل فى المرحلة الأولى تبدأ فى ديسمبر 2017 أو مطلع 2018 بمعدل 350 مليون قدم مكعب تصل إلى 1.2 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز عند إكتمالها قبل منتصف عام 2018 ، ويزداد معدل الإنتاج تدريجياً ليصل إلى 2.7 مليار قدم مكعب من الغاز يومياً فى 2019 بعد إكتمال تنمية الحقل وحفر آبار جديدة ، ويتم توجيه كل الكميات المنتجة للسوق المحلية .. ويساعد هذا الكشف فى توفير العملة الصعبة التى كان يتم إستيراد الغاز بها من الخارج ويغطى تلبية إحتياجات مصر من الغاز لعقود مقبلة ..
حقاً .. الله ينقذ مصر فى عز الأزمات





























