في تاريخ المؤسسات، هناك قرارات إدارية عابرة، وهناك قرارات أخرى تتحول إلى نقاط فاصلة تُعيد تشكيل مستقبل قطاع كامل لعقود طويلة.
ومن بين هذه القرارات التاريخية في مصر، يبرز القرار الذي اتُّخذ خلال فترة الدكتور حسن يونس بفصل الجهة الرقابية النووية عن الجهة التنفيذية، في خطوة جسدت فهمًا عميقًا لمعنى الدولة المؤسسية الحديثة.
كما شهد القطاع النووي المصري خطوة مؤسسية أخرى مهمة خلال فترة الدكتور محمد شاكر، تمثلت في فصل رئاسة مجلس إدارة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء عن منصب وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بما عزز من استقلالية الهيئة وتركيزها التنفيذي، ورسخ مفهوم الفصل بين الإدارة التنفيذية وصناعة السياسات العامة.
ففي السابق، كان “مركز الأمان النووي” تابعًا لـ هيئة الطاقة الذرية، أي أن الرقابة والتنفيذ كانا يعملان تحت مظلة مؤسسية واحدة.
لكن مع انطلاق البرنامج النووي المصري، أدركت الدولة أن بناء مشروع نووي وطني يحظى بالمصداقية الدولية والثقة المجتمعية يتطلب فصلًا واضحًا بين “المنفذ” و”الرقابي”. ومن هنا جاءت ولادة هيئة الرقابة النووية والإشعاعية كهيئة مستقلة تتبع رئيس مجلس الوزراء، بعيدًا عن الجهة المنفذة للمشروع النووي.لم يكن ذلك مجرد تعديل إداري، بل كان تحولًا فلسفيًا في مفهوم الحوكمة.
وقد أثبتت التجربة نجاحها؛ إذ اكتسب البرنامج النووي المصري احترامًا واسعًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأصبح الفصل بين الرقابة والتنفيذ أحد أهم عناصر قوة ومصداقية المشروع النووي المصري.
واليوم، يطرح الواقع سؤالًا مشروعًا: هل يمكن أن يشهد قطاع الكهرباء خطوة إصلاحية مماثلة؟فـ جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك يؤدي دورًا بالغ الأهمية في تنظيم سوق الكهرباء، ووضع قواعد المنافسة، وحماية المستهلك، وتنظيم التعريفة، ومراقبة جودة الخدمة. لكن في الوقت ذاته، لا يزال الجهاز مرتبطًا إداريًا بالوزارة التي تدير وتشرف على نفس القطاع الذي يُفترض أن يقوم بتنظيمه.
وهنا تبرز الإشكالية المؤسسية:كيف يمكن للمنظِّم أن يمارس دوره كـ “حَكَم” مستقل، بينما يتبع إداريًا لأحد أطراف المنظومة؟هذه القضية ليست مصرية فقط، بل هي من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها أسواق الطاقة الحديثة عالميًا.
ففي معظم الدول المتقدمة، هناك فصل واضح بين: الوزارة التي تضع السياسات العامة،والجهة المنظمة التي تراقب التطبيق وتحمي المنافسة وتضمن العدالة بين جميع الأطراف.
بل إن استقلال المنظِّم أصبح أحد المؤشرات الرئيسية التي تقيس بها المؤسسات الدولية مدى نضج أسواق الطاقة وقدرتها على جذب الاستثمار طويل الأجل.
والحقيقة أن مصر قطعت شوطًا كبيرًا في تطوير البنية التحتية الكهربائية، وإنشاء محطات عملاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، والتحول نحو الشبكات الذكية.
لكن استكمال هذا النجاح يتطلب تطويرًا موازيًا في “البنية المؤسسية” للقطاع، لأن قوة المؤسسات لا تقل أهمية عن قوة المحطات.
إن استقلال جهاز تنظيم الكهرباء لا يعني أبدًا تقليص دور الوزارة أو سحب صلاحياتها، بل على العكس، هو حماية للوزارة نفسها، وتخفيف للأعباء التنظيمية والسياسية عنها، وتمكين لها من التركيز على التخطيط الاستراتيجي وصناعة السياسات القومية للطاقة.
كما أن وجود منظم مستقل وقوي يحقق عدة مكاسب استراتيجية: تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، دعم خطط تحرير سوق الكهرباء، ضمان الحياد التنافسي بين جميع المنتجين،حماية المستهلك بصورة أكثر فاعلية، وتحقيق استقرار طويل الأجل في القرارات التنظيمية والتعريفات.
ولعل الأهم من ذلك أن الاستقلال التنظيمي يمثل حماية للدولة ذاتها من تضارب الأدوار، ويعزز مناخ الشفافية والمساءلة المؤسسية.
السؤال إذن ليس: هل يحتاج قطاع الكهرباء إلى منظم مستقل؟بل: هل حان الوقت لاتخاذ الخطوة المؤسسية التالية في مسار إصلاح القطاع؟ لقد سجّل التاريخ للدكتور حسن يونس أنه اتخذ قرارًا مؤسسيًا شجاعًا ساهم في بناء مصداقية البرنامج النووي المصري لعقود قادمة، كما رسّخ الدكتور محمد شاكر مفهوم الاستقلال التنفيذي للمؤسسات النووية الوطنية.
وربما يكون أمام الدكتور محمود عصمت اليوم فرصة مماثلة لقيادة إصلاح مؤسسي حقيقي جديد يرسخ استقلالية تنظيم قطاع الكهرباء، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجًا واستدامة في إدارة الطاقة في مصر.فالتاريخ لا يتذكر فقط من بنوا المحطات… بل يتذكر أيضًا من بنوا المؤسسات، ورسخوا قواعد الدولة الحديثة القادرة على الاستمرار لعقود طويلة.






























