يخوض قيادات شركات توزيع الكهرباء في مصر غمار معادلة هي الأشد تعقيدًا في أروقة القطاع إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على الإشراف التقليدي على سلامة المحولات وصيانة الخطوط وتلقي بلاغات الأعطال، بل امتد ليتجسد في مسؤولية جسيمة تندرج تحتها ملفات شديدة التشابك تبدأ برهانات خفض نسب الفقد المالي والفني وكبح جماح سرقات التيار ولا تتوقف عند استرداد المستحقات المتأخرة وإدارة شجون الشارع، واحتواء أزمة العدادات الكودية التى استفحلت مؤخرا.
من ناحية، هناك تعليمات واضحة بضرورة رفع معدلات التحصيل ومواجهة سرقات التيار، ومن ناحية أخرى هناك مواطنون لديهم شكاوى ومطالب، وبعضهم يواجه بالفعل صعوبة في سداد مستحقاته.
وبين الطرفين يقف رؤساء شركات التوزيع في «وش المدفع»؛ مطالبين بالحفاظ على المال العام وتحقيق المستهدفات والحصة الشهرية المتجهة إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر، وفي الوقت نفسه التعامل مع الشارع بهدوء واحتواء شكاوى المواطنين، فخلف كل عداد حكاية، وخلف كل فاتورة أسرة لها ظروفها والتزاماتها.
وفي النهاية، تبقى الكهرباء خدمة تمس كل بيت وكل نشاط اقتصادي، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الملف بحاجة إلى قدر من الحزم يحمي حقوق الدولة، وقدر من الإنسانية يراعي ظروف الناس.
وهنا أتوقف قليلًا أمام حجم الضغوط التي يتحملها رؤساء شركات التوزيع؛ فالمسألة لم تعد مجرد تعليمات تصدر من الوزير وتنفذها الشركات، وإنما منظومة كاملة من المتابعة والمحاسبة والنتائج.
والوزير الدكتور محمود عصمت يضغط بصورة مستمرة على رؤساء الشركات لرفع التحصيل وخفض الفقد ومواجهة سرقات التيار، وفي المقابل هناك متابعة مستمرة من الشركة القابضة وقياداتها، وهو ما يجعل رئيس شركة التوزيع يعمل تحت ضغط يومي لا يتوقف.
وفي سبتمبر 2026، أصدر محمد دعبيس، مساعد الوزير لشئون التوزيع، توجيهات مشددة لرؤساء الشركات بشأن تكثيف حملات الضبطية القضائية والنزول إلى الشارع بصورة مستمرة، مع وضع مستهدفات يومية، بهدف استرداد نحو 12 مليار جنيه تمثل أموالًا مهدرة بسبب سرقات التيار بنهاية العام المالي 2025-2026.
والحقيقة أن تعدد مستويات الإشراف على رؤساء الشركات يضيف إلى المشهد مزيدًا من التعقيد؛ فهناك الوزير، ومساعد الوزير لشئون التوزيع محمد دعبيس، وقيادات الشركة القابضة، وفي مقدمتهم المهندس جابر دسوقي، بما يملكه من خبرة طويلة في إدارة قطاع الكهرباء إلى جانب الدكتور خالد الدستاوي و المحاسب محمد سالم و مسئولي الشركة القابضة .
كل هذه التعليمات والتوجيهات تصل إلى رئيس شركة التوزيع الذي يجد نفسه مطالبًا بتحويلها إلى نتائج على الأرض.
وهنا لا بد من التفرقة بين أمرين؛ الأول هو التعدي المتعمد على الشبكة وسرقة التيار، وهو أمر يمثل اعتداءً على المال العام ويؤثر على كفاءة الشبكة وعلى المواطنين الملتزمين بالسداد، والثاني هو المواطن المتعثر الذي تراكمت عليه المستحقات وأصبح غير قادر على الوفاء بها في موعدها.
فالمعادلة ليست «تحصيل وخلاص»، كما أنها ليست ترك المستحقات بلا متابعة، وإنما الوصول إلى آلية تحقق حق الدولة، وفي الوقت نفسه تراعي الحالات التي تستحق قدرًا من المرونة، وتتجلي هذه الرؤية مصداقا لقوله تعالي .. “وأن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة”.
وأنا هنا لا أتحدث عن التهاون في حق الدولة، ولكن عن ضرورة أن تكون هناك عين ترى الأرقام وعين أخرى ترى الناس.
فنجاح رئيس شركة التوزيع ليس في أن يرفع أرقام التحصيل فقط، وإنما في أن يعرف كيف يدير الملف دون أن يتحول الضغط المالي والإداري إلى ضغط إضافي على المواطن حسن النية.
والاستشهاد هنا لا يعني إعفاء المتلاعب أو السارق من حق الدولة، وإنما يلفت النظر إلى الجانب الإنساني عند التعامل مع المواطنين خصوصا ممن ارهقتهم الديون فمش كل واحد عليه مديونية يبقى سارق تيار، ومش كل متأخر عن السداد متلاعب.
وهذا هو التوازن المطلوب؛ صرامة مع من يتعمد سرقة التيار، ومرونة محسوبة مع المواطن حسن النية الذي يحتاج إلى مهلة أو جدولة وفقًا للقواعد والضوابط، حتى لا يتحول الأمر إلى مجرد رسوم وغرامات ومخالفات تتراكم فوق كاهل المواطن دون النظر إلى ظروفه.
وتُعد أزمة العدادات الكودية في مصر واحدة من أبرز الملفات الشائكة التي واجهتها وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة خلال العامين الماضيين، حيث طالت ملايين الأسر في المباني المخالفة والعشوائية.
وهنا أيضًا لا يمكن تجاهل ضغوط الوزير المستمرة في هذا الملف تحديدًا، لأن أزمة العدادات الكودية لم تعد أزمة فنية فقط، وإنما أصبحت ملفًا جماهيريًا يمس ملايين المواطنين، وهو ما يجعل رؤساء الشركات في مواجهة مباشرة مع نتائج القرارات والإجراءات التي يتم وضعها على مستوى الوزارة والشركة القابضة.
وفي ظل التصاعد المستمر لشكاوى المواطنين حول ارتفاع الفواتير وتعقيد الإجراءات، يتحمل وزير الكهرباء الدكتور محمود عصمت المسؤولية السياسية والإدارية المباشرة عن إدارة هذا الملف، لا سيما في ما يتعلق بتطبيق «التعريفة الموحدة» التي فُرضت على العدادات الكودية قبل صدور قرارات التخفيف الأخيرة.والمواطن هنا لا ينظر للموضوع من زاوية فنية أو إدارية، وإنما يسأل ببساطة: «هدفع كام؟ وإمتى؟ وليه؟».
وعندما يشعر أن المبالغ المطلوبة أكبر من قدرته على السداد، تبدأ حالة الاحتقان، خصوصًا مع ما ارتبط في فترات سابقة بتطبيق التعريفة الموحدة على العدادات الكودية، قبل صدور قرارات التخفيف الأخيرة وفي رأيي، هذه النقطة تحديدًا تستحق مراجعة هادئة؛ لأن الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة.
قد تكون الشركة حققت مستهدف التحصيل، لكن المواطن خرج غاضبًا، وقد تنخفض نسبة الفقد، لكن شبكة المنطقة ما زالت تحتاج إلى إحلال وتجديد لذلك فالإدارة الحقيقية للقطاع ليست في رقم واحد، وإنما في مجموعة أرقام ونتائج يجب أن تتحرك معًا.
وفي الشارع، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا تشير التقديرات إلى أن سرقات التيار تلتهم نحو 10% من إجمالي الفقد في الشبكة القومية، بينما تجاوز عدد المحاضر المحررة على مستوى الجمهورية 3.4 مليون محضر فى العام السابق وفى اعتقادى ان احد اسباب ارتفاع الفقد هو زيادات اسعار شرائح الكهرباء المتتالية والمغالاة فيها.وهذه ليست معركة حملات فقط؛ فهناك تنسيق مع شرطة الكهرباء لضبط التوصيلات غير القانونية ومخالفات العدادات، وفي المقابل تدور «حرب عقول» مستمرة مع محاولات التلاعب بالعدادات والشبكات، وهو ما يفرض على شركات التوزيع تطوير أدوات الكشف والقياس بشكل مستمركما أن أرقام الفقد لا يمكن قراءتها بعيدًا عن طبيعة كل منطقة.
ففي الوقت الذي سجلت فيه شركة الإسكندرية نسبة فقد لم تتجاوز 14%، ارتفعت النسبة في شركة جنوب القاهرة إلى 36% رغم النجاحات التى حققها المهندس طارق عبدالشافى الذى ورث تركة سوداء والفارق كبير، لكن تحميله بالكامل إلى الإدارة قد لا يكون قراءة دقيقة، في ظل اختلاف الكثافة السكانية وطبيعة المناطق وحالة الشبكات وانتشار التوصيلات غير القانونية.
وفي المقابل، تظل نسب الفقد مؤشرًا مهمًا، لأن خفضها يعني استرداد طاقة وأموال يمكن توجيهها لتحسين الخدمة والاستثمار في الشبكة.
ومن هنا أعتقد أن الحكم على رؤساء شركات التوزيع يجب ألا يكون من خلال نسبة الفقد وحدها، وإنما من خلال ما تسلمه كل رئيس من تركة، وما هي طبيعة المنطقة التي يديرها، وحالة الشبكة التي ورثها، وحجم التوصيلات غير القانونية، وقدرته على تغيير الوضع إلى الأفضل.
وسرقات التيار والتوصيلات غير القانونية لا تؤثر فقط على الإيرادات، وإنما تضغط على الشبكة وترفع الأحمال، بما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأعطال وهبوط الجهد، وقد يصل الأمر إلى خروج بعض المحولات من الخدمة، فتظهر فاتورة أخرى لا يراها المواطن مباشرة، وهي تكلفة الإصلاح والصيانة والإحلال فترشيد استخدام الموارد والحفاظ عليها مسؤولية مشتركة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمرفق حيوي مثل الكهرباء.
فالمعضلة أمام رؤساء شركات التوزيع أن كل ملف مرتبط بالآخر، فإذا ارتفعت سرقات التيار ارتفع الفقد، وإذا ارتفع الفقد زادت الضغوط على الشبكة، وإذا زادت الأحمال غير القانونية تعرضت المحولات للإجهاد والأعطال، وإذا حدثت الأعطال خرج المواطن يشتكي من الخدمة.وفي الوقت نفسه، إذا تحولت إجراءات التحصيل إلى غرامات ومخالفات فقط دون التفريق بين المتعمد والمتعثر، يمكن أن تتسع دائرة الاحتقان.
لذلك فإن إدارة الملف تحتاج إلى ميزان دقيق؛ صرامة مع من يتعمد سرقة التيار، ومرونة محسوبة مع المتعثر حسن النية، وعدالة في المحاسبة، ووضوح في الإجراءات.ان الله يامر بالعدل والإحسان والعدل لا يعني التساهل مع المخالف، كما أن تطبيق القانون لا يعني إغلاق الباب أمام الاعتبارات الإنسانية.
وفي النهاية، نحن أمام منظومة تدار تحت قيادة المهندس جابر دسوقي، الرجل المخضرم الذي يعرف تفاصيل القطاع وشركاته وقياداته، وبكفاءة عالية، لكن هذه المنظومة في الوقت نفسه أصبحت أكثر تشعبًا من أي وقت مضى، مع تعدد جهات المتابعة والإشراف، وهو ما يضع رؤساء شركات التوزيع تحت اختبار يومي: نفذ، وحصّل، واخفض الفقد، وحافظ على الشبكة، وفي الوقت نفسه تعامل مع الناس.
ورؤساء شركات التوزيع في النهاية لا يملكون رفاهية الابتعاد عن المشهد؛ مطلوب منهم تحصيل المليارات، وخفض الفقد، ومواجهة سرقات التيار، وحماية الشبكة، وفي الوقت نفسه التعامل مع المواطن وشكواه.
المعادلة صعبة، لكن نجاح القيادات لا يجب أن يقاس فقط بعدد المحاضر التي تم تحريرها أو قيمة الغرامات التي تم تحصيلها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين حماية حق الدولة، وضمان استقرار المرفق، ومراعاة المواطن الذي قد يكون في حاجة إلى فرصة للسداد وليس إلى غرامة جديدة تثقل كاهله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمن يسر على الناس بقوله: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به».
رؤساء شركات التوزيع يمسكون «كرة اللهب» من جميع أطرافها؛ مطلوب منهم أن يحصّلوا المليارات، ويخفضوا الفقد، ويطاردوا سارقي التيار، ويحافظوا على المحولات والشبكات، وفي الوقت نفسه لا يفقدوا البوصلة الإنسانية وهم يتعاملون مع الناس.
والقيادات الحالية بصبرها ونشاطها وكفاءتها تذكرني برجال عظام قادوا شركات التوزيع وتركوا بصمات واضحة في القطاع، أمثال المهندس أحمد المفتي، والدكتور فائق فريد، والمهندس عبدالحميد إسماعيل، والمهندس حسب الله أبو العلا، والمهندس محمود سلطان، والمهندس فاروق غلاب، والمهندس محمد الحارون، والمهندس إبراهيم عطية، والمهندس محمد البكري، والمهندس خالد إبراهيم، وغيرهم وغيرهم من القيادات التاريخية لقطاع التوزيع






























