في الوقت الذي تحتفل فيه مصر بالذكرى الـ53 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة، نفتح صفحات من ذاكرة أحد الرجال الذين عاشوا سنوات الحرب والقتال، رجل بسيط لم يبحث يومًا عن الأضواء، لكنه حمل في ذاكرته حكايات من أصعب وأهم فترات التاريخ المصري.
إنها حكاية البطل فرج الله سلطان علي منصور، ابن بلدة المنشأة الجديدة بمركز الباجور بمحافظة المنوفية، وأحد رجال الصاعقة المصرية، الذي التحق بالقوات المسلحة عام 1965، ليبدأ رحلة طويلة امتدت من حرب اليمن، إلى نكسة 1967، ثم حرب الاستنزاف، والعمليات خلف خطوط العدو.
حكاية لم تُكتب من كتب التاريخ، وإنما خرجت من ذاكرة رجل عاش تفاصيلها بنفسه، وسجلها ببساطة ودون ادعاء، لتبقى شهادة على جيل قدم الكثير من أجل الوطن. وفي ذكرى انتصارات أكتوبر، ننشر قصته كما دوّنها بنفسه، دون تغيير في مضمون روايته أو إضافة إلى ما كتبه.
بسم الله الرحمن الرحيم
«إن ينصركم الله فلا غالب لكم»
صدق الله العظيم.
هذه خواطري سجلتها في ذاكرتي القصيرة والبسيطة عن نصر أكتوبر وحرب الاستنزاف وحرب اليمن، وإنني من رجال نصر أكتوبر 1973 وحرب الاستنزاف ورجل من المحاربين القدامى. فرج الله سلطان علي منصور من بلدة المنشأة الجديدة مركز الباجور محافظة المنوفية.
التحقت بالقوات المسلحة في 20/7/1965، وكان تجنيدي بالقوات الخاصة الصاعقة، وحصلت على فرقة الصاعقة رقم 85 بدرجة جيد جدًا، ثم تم التحاقي بالكتيبة 33 صاعقة المجموعة 127، وهذه المجموعة تضم ثلاث كتائب، الكتيبة 43 و41 و33، وكان قائد قوات الصاعقة حين ذلك اللواء جلال أحمد هريدي واللواء أحمد عبد الله.
بعد فترة قصيرة وتحديدًا في 1965 صدر قرار من قيادة الجيش إلى الكتيبة 33 صاعقة، والتي كنت بها، بالذهاب إلى جمهورية اليمن، وذلك بسبب الصراع على السلطة ووقوف مصر إلى جانب معسكر المشير عبد الله السلال.
وذهبت مع زملائي في الكتيبة إلى اليمن عن طريق طائرة يوشن محملة بجنود وضباط الصاعقة إلى صنعاء باليمن، وبعد ثلاثة أيام صدر قرار إلى الكتيبة بالقيام بإحدى العمليات في منطقة تسمى السر، وقمنا بتنفيذ الأوامر والتعليمات، وقد استشهد في هذه العملية بعض الجنود والضباط، حيث انقطعت بنا السبل ونفد الغذاء والماء لما يقرب من ثلاثة أيام.
وبعدها قمنا بعمليات أخرى كثيرة، وبعد فترة من وجود الكتيبة في اليمن صدرت أوامر القيادة العامة للقوات المسلحة بعودة الكتيبة إلى أرض الوطن، حيث أعلنت إسرائيل الحرب على مصر، وقامت الكتيبة بتنفيذ الأوامر، حيث عادت الكتيبة إلى أرض الوطن عن طريق البحر على ظهر باخرة تسمى التالودي، ومنها إلى أرض سيناء، مطار وادي المليز.
وتم صعود الكتيبة إلى إحدى الطائرات للاشتراك مع قوات الأردن وسوريا وبعض المناطق في هذه الجهة، وكان في استقبالنا في مطار الأردن الملك حسين، وقد قام بزيارة الكتيبة بالأردن اللواء عبد المنعم رياض، وقامت الكتيبة بالاشتراك مع قوات الأردن وسوريا بالحرب ضد إسرائيل في حرب 1967.
وقد احتلت إسرائيل سيناء ومزارع شبعا والجولان وما يتبع ثلاث مناطق عربية أخرى بعد اشتراكنا مع هذه الدول سالفة الذكر.
صدرت أوامر قيادة القوات المسلحة بالعودة فورًا إلى أرض الوطن لتحرير سيناء من العدو، وعادت الكتيبة على ظهر باخرة.
وبعد عدة أيام قليلة بدأنا القيام بعمليات الاستطلاع في سيناء وتنفيذ الأوامر، وقامت الكتيبة بعمليات كثيرة، أهمها في منطقة الجناين بالسويس، وكانت هذه العملية بهدف الاستطلاع خلف خطوط العدو التي كانت متواجدة في سيناء، بهضبة محصنة بأحدث التحصينات بقوات إسرائيل، وكانت تسمى القبة المسحورة.
واكتشفنا أنه يوجد بها طائرة هليكوبتر وصواريخ ومدافع حصينة ونقطة إنذار تبعد عنها حوالي كيلو متر وبها أربعة أفراد.
قمنا بتجهيز القوارب المطاطية في حوالي الساعة الثالثة صباحًا، وبعد صدور هيئة الأرصاد الجوية بهدوء الأمواج تمكنا من عبور القناة، وعبرت الفصيلة التي كنت بها والمكونة من بعض المجموعات، وهي مجموعة التستر ومجموعة الاقتحام.
وقامت مجموعة الاقتحام بالتحرك بهدوء وحذر، وقامت مجموعة الاقتحام بالقفز على هذه النقطة وتدمير ما بها.
وأخذنا أسيرًا فقط، وهو جندي إسرائيلي لم يُصب. أتذكر أن اسمه يدعى آدمون آهارون مراد، وبعد سؤاله بعد العبور إلى منطقة الجناين قال لنا بأنه عراقي الجنسية، وقد طلب منا بعض الماء وكوب شاي، وقد لبيت طلبه.
وبعد فترة قصيرة صدرت أوامر بترحيل هذا الأسير إلى قيادة القوات المسلحة لأخذ بعض المعلومات، وأذكر أن في هذه العملية قد استشهد بطل من أبطال فصيلة الصاعقة المكلفة بالعملية، الشهيد فتحي يونس عبد العال، أحد أبطال العملية ومن العمالقة، مواليد محافظة الشرقية مركز منيا القمح.
بعد هذه العملية صدرت أوامر إلى الكتيبة الباسلة 33 صاعقة بقيادة بعض قادتها، ومنهم النقيب عبد أحمد عرفة قائد الكتيبة، ونبيل شكري، بالاشتراك في حرب الاستنزاف.
وقد قامت الكتيبة بعمليات ضارية ضد العدو، منها عملية الجزيرة الخضراء والاشتراك في موقعة جزيرة شدوان وعمليات أخرى كثيرة سطرتها هذه الكتيبة بقيادتها الباسلة.
رحم الله شهداءنا الأبرار الذين قدموا الغالي والنفيس لهذا الوطن.
هكذا ترك البطل فرج الله سلطان علي منصور شهادته، لا باعتبارها مجرد ذكريات شخصية، وإنما باعتبارها جزءًا من ذاكرة جيل عاش سنوات الحرب، وتحمل قسوتها، وخاض معاركها، وقدم الشهداء والتضحيات حتى جاء يوم النصر.
وفي الذكرى الـ53 لانتصارات أكتوبر المجيدة، تبقى حكايات هؤلاء الرجال شاهدًا على أن النصر لم يكن وليد يوم واحد، وإنما جاء بعد سنوات من الصمود والتضحيات والقتال، شارك فيها رجال بسطاء حملوا السلاح وأدوا واجبهم، ثم عادوا إلى حياتهم، تاركين خلفهم حكايات لا يعرفها الكثيرون.
تحية لكل أبطال حرب أكتوبر، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.






























