وليد البهنساوى
في ظل التوسع المتزايد في مشروعات الطاقة المتجددة، وارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء من الوقود التقليدي، تبرز مصر باعتبارها سوقًا واعدة للاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مدعومة بموارد طبيعية متميزة وطلب متنامٍ على الكهرباء.
وفي هذا الحوار، يتحدث المهندس كريم العزاوي، المدير الإقليمي والعضو المنتدب لشركة فولتاليا الفرنسية للطاقة المتجددة في مصر والأردن، عن خطط الشركة بالسوق المصرية، وتطورات مشروع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بمنطقة الزعفرانة باستثمارات مستهدفة تبلغ نحو 800 مليون دولار، إلى جانب فرص خفض تكلفة الكهرباء، وتوطين الصناعة، ومستقبل الهيدروجين الأخضر، والتحديات التي تواجه المستثمرين في قطاع الطاقة المتجددة.

كيف بدأت فولتاليا نشاطها في مصر، وما أبرز المشروعات التي نفذتها في المنطقة؟
بدأت فولتاليا نشاطها في مصر عام 2017، وكانت من الشركات المشاركة في مشروع بنبان للطاقة الشمسية، الذي نفذنا فيه محطة بقدرة تقارب 30 ميجاوات، ونجحنا في تطوير المشروع وتنفيذه خلال فترة امتدت لنحو عامين، حتى عام 2019، لتبدأ المحطة في بيع الكهرباء للدولة.
كما نفذت الشركة أربعة مشروعات للطاقة الشمسية في الأردن، ثلاثة منها في منطقة معان ومشروع في شمال المملكة، بإجمالي قدرات تقارب 57 ميجاوات، موزعة بين نحو 33 و24 ميجاوات.
وتوضح هذه المشروعات حجم التطور الذي شهده قطاع الطاقة المتجددة خلال السنوات الماضية، سواء من حيث انخفاض تكلفة الإنتاج أو تطور التكنولوجيا المستخدمة في تنفيذ المحطات.

كيف تغيرت تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة؟
شهدت التكلفة انخفاضًا كبيرًا. ففي الأردن، كانت تعريفة شراء الكهرباء من الطاقة المتجددة عام 2016 في حدود 16 سنتًا أمريكيًا للكيلووات ساعة تقريبًا، بينما وصلت في مشروع بنبان بمصر بعد ذلك بنحو ثلاث سنوات إلى قرابة 8.2 سنت.
وفي مراحل لاحقة، تراجعت الأسعار في بعض مشروعات الطاقة الشمسية بالأردن إلى مستويات تتراوح بين سنتين و2.4 سنت للكيلووات ساعة، وفقًا لطبيعة المشروع وشروط التعاقد والتمويل.
أما في طاقة الرياح، فقد شهدت التعريفات أيضًا انخفاضًا ملحوظًا؛ إذ بدأت بعض المشروعات بنظام البناء والتملك والتشغيل (BOO) بتعريفات وصلت إلى نحو 37 دولارًا لكل ميجاوات ساعة، ثم تراجعت في مراحل لاحقة إلى نحو 30 دولارًا، ووصلت في بعض الحالات إلى قرابة 24 دولارًا، وفقًا لمتوسط سرعة الرياح بالموقع، الذي قد يبلغ نحو 10 أمتار في الثانية.
وهذا التطور يؤكد أن الطاقة المتجددة أصبحت قادرة على المنافسة اقتصاديًا، ولم تعد مجرد بديل بيئي، بل أصبحت خيارًا مهمًا لتوفير الكهرباء بتكلفة أقل على المدى الطويل.

ما الذي يجعل السوق المصرية جاذبة للاستثمار في الطاقة المتجددة؟
هناك عدة عوامل، في مقدمتها حجم الطلب على الكهرباء، الذي ينمو بمعدلات تتراوح بين 4 و6% سنويًا، إلى جانب التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة والمشروعات الساحلية والصناعية.
ويبلغ الطلب الأقصى على الكهرباء في مصر نحو 42 جيجاوات، فيما يصل الاستهلاك السنوي إلى قرابة 240 تيراوات ساعة، وهو مستوى قريب من استهلاك دول أوروبية مثل إسبانيا، التي يدور استهلاكها السنوي حول 250 إلى 255 تيراوات ساعة.
وعندما نضع هذه الأرقام في الاعتبار، مع عدد السكان الذي يتجاوز 100 مليون نسمة، والزيادة السكانية السنوية، والتوسع المتوقع في استخدام السيارات الكهربائية، ندرك أن احتياجات مصر من الطاقة ستواصل النمو.
لذلك، فإن إضافة قدرات جديدة من الطاقة المتجددة تمثل فرصة استثمارية مهمة، كما تساعد على تلبية الطلب المتزايد وتوفير الوقود التقليدي للاستخدامات الأكثر قيمة اقتصاديًا.
ما أبرز ملامح مشروع فولتاليا المقترح في منطقة الزعفرانة؟
نعمل على تطوير مشروع يجمع بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية في منطقة الزعفرانة، مستفيدين من الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها المنطقة، سواء من حيث سرعات الرياح أو معدلات سطوع الشمس.
وتبلغ القدرة المستهدفة للمشروع نحو 869 ميجاوات، بينما تمتد المنطقة التي تناولتها دراساتنا ومقترحاتنا إلى نطاق أوسع بكثير، يتيح بحث فرص تطوير قدرات قد تصل إلى نحو 3 جيجاوات على مراحل، وفقًا للدراسات والاعتمادات النهائية.
وتتميز الزعفرانة بوجود بنية أساسية قائمة، تشمل شبكات الكهرباء والطرق ومرافق النقل، فضلًا عن قربها النسبي من القاهرة والموانئ. وهذه العناصر تساعد في خفض تكاليف التطوير والتنفيذ مقارنة بالمناطق التي تحتاج إلى إنشاء بنية أساسية جديدة بالكامل.
كما ندرس الاستفادة من الأراضي التي يمكن إتاحتها مع تحديث توربينات الرياح القديمة، من خلال إقامة محطات للطاقة الشمسية، بما يحقق أفضل استخدام ممكن للأرض والبنية الأساسية المتاحة.

كيف يمكن لتحديث توربينات الرياح القديمة أن يرفع إنتاج الكهرباء في الزعفرانة؟
التطور التكنولوجي في توربينات الرياح كان كبيرًا للغاية. فالتوربينات القديمة التي بدأت العمل في المنطقة كانت قدراتها محدودة، وبعضها في نطاق مئات الكيلووات، بينما وصلت قدرات التوربينات الحديثة إلى نحو 7 أو 10 ميجاوات للتوربين الواحد.
وهذا يعني أن التوربين الحديث يمكن أن ينتج أضعاف الطاقة التي ينتجها التوربين القديم، مع الاستفادة بصورة أفضل من الموقع نفسه. وفي بعض الحالات، يمكن لتوربين حديث أن يقترب في إنتاجه من إنتاج مجموعة من التوربينات القديمة، بحسب القدرات وسرعات الرياح وظروف التشغيل.
لكن استخدام هذه التكنولوجيا يتطلب أيضًا أبراجًا أعلى وتجهيزات تتناسب مع أحجام التوربينات الجديدة، وهو ما يجعل تحديث الاشتراطات الفنية وارتفاعات الأبراج أمرًا مهمًا لإتاحة الاستفادة من التطور العالمي.
وقد دعمنا التوجه نحو تهيئة الظروف التنظيمية والفنية اللازمة لاستخدام التوربينات الحديثة، لأن ذلك يرفع إنتاجية المواقع القائمة ويخفض تكلفة الكهرباء المنتجة.
هل يمكن الجمع بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية في موقع واحد؟
بالتأكيد، وهذا أحد العناصر المهمة في تصورنا لمشروع الزعفرانة. فالجمع بين المصدرين يتيح الاستفادة من طبيعة كل منهما، ويعزز إنتاج الكهرباء من الموقع نفسه.
وعندما تتوافر أراضٍ مناسبة للطاقة الشمسية إلى جانب موارد الرياح، يمكن تطوير منظومة متكاملة تستفيد من البنية الأساسية القائمة وتوزع إنتاج الكهرباء على أكثر من مصدر.
وتوجد بالفعل محطة شمسية بقدرة تقارب 50 ميجاوات في المنطقة، كما أن الجمع بين الشمس والرياح يمثل فرصة لتطوير نموذج يمكن الاستفادة منه في مواقع أخرى، إذا أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية جدواه.

ما موقف مشروع الزعفرانة من الدراسات والتمويل؟
وقعنا اتفاقية شراء الطاقة (Power Purchase Agreement – PPA) في نهاية يوليو، ونعمل حاليًا على استكمال الدراسات والإجراءات والوثائق المطلوبة للوصول بالمشروع إلى مرحلة الجاهزية للتمويل.
وتشمل الأعمال الجارية الدراسات البيئية والفنية، وقياسات الرياح، واستكمال المتطلبات المتعلقة بالموقع، إلى جانب الإجراءات اللازمة لتهيئة المشروع للتمويل من المؤسسات الدولية.
ومن أهم عناصر الدراسات البيئية متابعة مسارات هجرة الطيور، وهي مسألة أساسية في مشروعات الرياح، وقد تستغرق الدراسات البيئية المتكاملة نحو عامين، بحسب نطاق الدراسة ومتطلبات الجهات المعنية.
كما نعمل مع استشاريين متخصصين في هذا المجال، ونستكمل البيانات الفنية اللازمة لاتخاذ القرارات النهائية بشأن التنفيذ.
كم تبلغ الاستثمارات المستهدفة للمشروع، وهل توجد شهية لدى المؤسسات الدولية لتمويله؟
تقدر الاستثمارات المستهدفة للمشروع بنحو 800 مليون دولار، وهناك اهتمام من مؤسسات تمويل دولية بالمشاركة في تمويل مشروعات الطاقة المتجددة، ومن بينها مؤسسات أوروبية.
كما أن وجود مؤسسات مالية دولية ضمن مساهمي مجموعة فولتاليا الأم، ومن بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، يعزز الثقة في قدرة المجموعة على تطوير مشروعات كبيرة والوصول إلى مصادر التمويل المختلفة.
لكن توافر التمويل وحده لا يكفي؛ فالمؤسسات التمويلية تنظر إلى استقرار السوق، ووضوح اتفاقيات شراء الكهرباء، والقدرة على تنفيذ المشروع وفق جدول زمني واقتصادي واضح، فضلًا عن استدامة الطلب على الطاقة.
ومتى توافرت هذه العناصر، تصبح مشروعات الطاقة المتجددة أكثر قدرة على جذب التمويل طويل الأجل.

كيف تقارنون بين تكلفة الكهرباء المنتجة من الغاز الطبيعي وتلك المنتجة من الطاقة المتجددة؟
شهدت تكلفة الغاز الطبيعي ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الماضية. ففي فترات سابقة، كانت أسعار الغاز المستورد تدور حول 8 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما ارتفعت الأسعار في فترات لاحقة إلى مستويات تقارب 15 دولارًا أو أكثر، وفقًا للسوق وظروف التعاقد.
وتؤثر هذه الزيادة في تكلفة إنتاج الكهرباء، كما أن الاعتماد على الوقود التقليدي يجعل منظومة الطاقة أكثر تأثرًا بالتقلبات العالمية، وتغيرات أسعار الصرف، واضطرابات سلاسل الإمداد.
في المقابل، أصبحت تكلفة إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح منخفضة، ويمكن أن تتراجع تكلفة الكهرباء من منظومة متجددة مدعومة بالتخزين إلى مستويات تنافسية للغاية، بحسب طبيعة المشروع وتكلفة التمويل وظروف التشغيل.
والأهم أن التوسع في الطاقة المتجددة لا يوفر تكلفة الكهرباء فقط، بل يتيح توجيه الغاز الطبيعي إلى صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل الأسمدة والصناعات الثقيلة، أو الاستفادة منه في التصدير، بما يدعم موارد الدولة من العملة الأجنبية.

هل يمكن للطاقة المتجددة أن تخفف أعباء دعم الطاقة على الموازنة العامة؟
نعم، ويمكن أن يكون لها دور مهم في ذلك. فكلما انخفضت تكلفة إنتاج الكهرباء، تراجعت الضغوط الواقعة على منظومة الطاقة، وأصبح بالإمكان توجيه الموارد المالية إلى مجالات أخرى.
ومن وجهة نظري، يمكن دراسة تخصيص جزء من المبالغ التي تتحملها الدولة سنويًا لدعم الطاقة لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة، بالشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات التمويلية.
فعلى سبيل المثال، يمكن بحث توجيه نسبة من هذه المخصصات، في حدود 10%، إلى مشروعات الطاقة المتجددة على مدى خمس إلى عشر سنوات، مع وضع آلية واضحة تضمن مشاركة القطاع الخاص وتوزيع المخاطر بصورة مناسبة.
هذا التوجه لن يحقق نتائجه بين يوم وليلة، لكنه قد يسهم تدريجيًا في زيادة القدرات المتجددة، وخفض تكلفة إنتاج الكهرباء، وتقليل الحاجة إلى الدعم مستقبلًا.
والفكرة هنا ليست مجرد زيادة الإنفاق، بل إعادة توجيه جزء من الموارد إلى استثمارات تنتج طاقة بتكلفة تنافسية وتحقق عائدًا اقتصاديًا على المدى الطويل.

ما فرص مصر في توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة؟
مصر لديها فرصة مهمة لتطوير قاعدة صناعية مرتبطة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب الصناعات التي تعتمد على الكهرباء بكثافة.
فعندما تستطيع الدولة توفير كهرباء بتكلفة تنافسية، فإنها تصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الصناعية، لأن الطاقة تمثل عنصرًا أساسيًا في تكلفة الإنتاج.
وفي بعض الصناعات، مثل الألومنيوم، يمكن أن تمثل الكهرباء أكثر من 40% من التكلفة الإجمالية. ولذلك فإن توفير كهرباء بأسعار تنافسية يمنح المصانع ميزة مهمة في مواجهة المنافسة الإقليمية والدولية.
وإذا تمكنت مصر من توفير الكهرباء المتجددة بأسعار أقل من البدائل التقليدية، فإن ذلك قد يدعم جذب صناعات جديدة، وزيادة الصادرات، وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.
كما أن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة يفتح المجال أمام توطين صناعات المعدات والمكونات، ومنها أجزاء توربينات الرياح ومكونات المحطات الشمسية وأنظمة التخزين، بما يخلق فرص عمل ويزيد القيمة المضافة المحلية.
هل تمتلك مصر الموارد اللازمة لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة المتجددة؟
نعم، فمصر تتمتع بموارد شمسية ورياح قوية، إلى جانب موقع جغرافي متميز وبنية أساسية يمكن البناء عليها.
ونحن في فولتاليا نطور مشروعات للطاقة الشمسية في دول تختلف ظروفها المناخية عن مصر، بما فيها أيرلندا، وهو ما يوضح أن مصر تمتلك ميزة طبيعية كبيرة من حيث معدلات سطوع الشمس والإمكانات المتاحة لإنتاج الكهرباء.
لكن الاستفادة من هذه الميزة تحتاج إلى استراتيجية واضحة ومستقرة، وتيسير الإجراءات، وتوفير آليات تمويل مناسبة، وربط التوسع في الطاقة المتجددة باحتياجات الصناعة والتصدير.
فالمنافسة لا تعتمد على المورد الطبيعي وحده، بل على التكلفة النهائية للكهرباء، وسهولة تنفيذ المشروعات، واستقرار القواعد المنظمة للسوق.
ما أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين في مشروعات الطاقة المتجددة بمصر؟
من أهم التحديات تعدد الجهات التي يتعامل معها المستثمر خلال مراحل تطوير المشروع، إذ قد يحتاج إلى التنسيق مع جهات تخصيص الأراضي، وشركات نقل الكهرباء، والجهات البيئية، والجهات المعنية بالتراخيص، وغيرها.
وفي مراحل سابقة، كان هناك نموذج أكثر مركزية لتيسير الإجراءات، لعبت فيه هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة دورًا مهمًا في التعامل مع المستثمرين وتنسيق خطوات تطوير المشروعات.
ومع توسع القطاع وزيادة عدد المشروعات والجهات المعنية، أصبحت الحاجة أكبر إلى وجود نقطة اتصال موحدة تستطيع تنسيق الإجراءات وتوضيح المتطلبات والجدول الزمني لكل مرحلة.
ومن وجهة نظري، فإن تطوير نظام «الشباك الواحد» (One Window) بصورة عملية، مع استراتيجية موحدة وواضحة، سيساعد على تقليل الوقت والتكلفة، ويمنح المستثمر رؤية أكثر وضوحًا منذ بداية المشروع حتى تشغيله.
كما أن تعميم التيسيرات، ومنها الرخصة الذهبية على نطاق أوسع من مشروعات الطاقة المتجددة وفقًا للضوابط، يمكن أن يدعم جذب استثمارات جديدة، بدلًا من أن تظل هذه التيسيرات مقتصرة على عدد محدود من المشروعات.

كيف تنظرون إلى المنافسة الإقليمية، خصوصًا في السعودية والمغرب وتونس؟
المنافسة في المنطقة قوية، وهناك دول تعمل على توسيع قدراتها المتجددة بوتيرة سريعة. وقد شاركنا في مناقصات ومشروعات للطاقة الشمسية في تونس، وحقق السوق هناك مستويات سعرية تنافسية، وصلت في بعض المشروعات إلى نحو 3.7 سنت للكيلووات ساعة، وفقًا لشروط الطرح.
لكن لا ينبغي مقارنة الأسعار وحدها دون النظر إلى طبيعة التمويل، والضمانات، واستقرار السوق، وتوزيع المخاطر، والدعم الذي قد توفره الحكومات للمشروعات.
فالسوق السعودية، على سبيل المثال، تختلف عن السوق المصرية من حيث هيكل التمويل ودور صندوق الاستثمارات العامة في دعم الشركات والمشروعات المحلية، إلى جانب وجود شركات كبيرة مثل أكوا باور.
أما في مصر، فيعتمد عدد من المشروعات بدرجة أكبر على التمويل الدولي، ولذلك فإن مقارنة الأسعار النهائية يجب أن تأخذ هذه الاختلافات في الحسبان.
والمهم بالنسبة لمصر هو الحفاظ على سوق تنافسية ومستقرة، تتيح للمستثمرين تقديم أسعار منخفضة مع ضمان قدرة المشروعات على التنفيذ والاستمرار.

ما موقف فولتاليا من مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر؟
الهيدروجين الأخضر لا يزال يمثل فرصة مهمة، ولم نتخلَّ عن هذا المجال، لكن التكنولوجيا تحتاج إلى مزيد من التطور حتى تصبح المشروعات الكبيرة أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وقعنا مذكرة تفاهم مع شركة طاقة عربية، كما دخلنا في مراحل متقدمة من التعاون مع الجهات الحكومية المعنية بتطوير هذا القطاع في مصر، ضمن مجموعة من الشركات التي أبدت اهتمامها بالاستثمار في الهيدروجين الأخضر.
التحدي الرئيسي حاليًا هو تكلفة إنتاج الهيدروجين، وحجم المشروعات القادر على تحقيق وفورات اقتصادية. فهناك مشروعات تجريبية صغيرة بقدرات تتراوح بين نحو 0.5 و5 ميجاوات، بينما تحتاج الصناعة إلى الانتقال تدريجيًا إلى مشروعات أكبر قد تصل إلى 100 ميجاوات أو أكثر.
وفي الوقت نفسه، توجد أسواق قائمة للهيدروجين، خصوصًا في الصناعات التي تستخدمه حاليًا في عمليات الإنتاج، ومنها صناعة الأسمدة، حيث يمكن أن يحل الهيدروجين الأخضر تدريجيًا محل الهيدروجين المنتج باستخدام الغاز الطبيعي.
لذلك، فإن مستقبل هذا القطاع يرتبط بخفض التكلفة، وتطوير التكنولوجيا، ووجود مشترين واتفاقيات شراء طويلة الأجل، إلى جانب توافر الكهرباء المتجددة بأسعار تنافسية.
هل يمكن لمصر أن تستفيد من مشروعات الطاقة المتجددة في جذب صناعات جديدة؟
بالتأكيد. فالميزة لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء وبيعها للشبكة، بل تمتد إلى استخدام الكهرباء المتجددة في إقامة صناعات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
فعندما تتوافر الكهرباء بأسعار تنافسية، يمكن أن تصبح مصر موقعًا جاذبًا للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهو ما يدعم الصادرات ويزيد فرص العمل ويحد من الحاجة إلى استيراد بعض المنتجات.
كما أن وجود مشروعات كبيرة للطاقة الشمسية والرياح يدعم نمو الصناعات المرتبطة بها، سواء في المعدات أو المكونات أو أنظمة التخزين، ويشجع الشركات العالمية على دراسة إقامة خطوط إنتاج محلية.
وهذا يتطلب تنسيقًا بين سياسة الطاقة والسياسة الصناعية والتجارية، بحيث لا يكون الهدف مجرد إضافة قدرات جديدة، بل تحويل الطاقة المتجددة إلى عنصر أساسي في تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.

هل هناك فرص جديدة لفولتاليا في مصر بعد مشروع بنبان؟
نواصل دراسة فرص التطوير في السوق المصرية، وشاركنا في الطرح الخاص بمشروعات للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 500 ميجاوات، وكذلك في طرح لمشروعات طاقة رياح بقدرات تقارب جيجاوات، وتم قبولنا ضمن الشركات المشاركة أو المؤهلة وفقًا لإجراءات الطرح.
أما بالنسبة إلى بنبان، فإن الأراضي المتبقية التي كانت ضمن التصورات الأصلية لتوسعات المشروع أصبحت مرتبطة بخطط تطوير أخرى، ولذلك لا توجد لدينا حاليًا خطة مؤكدة للتوسع في الموقع نفسه.
كان التصور الأصلي للمجمع يتضمن قدرات أكبر، بينما نُفذ نحو 1.45 جيجاوات، لكن فرص الطاقة المتجددة في مصر لا تقتصر على بنبان، بل تمتد إلى مناطق عديدة تتمتع بإمكانات شمسية ورياح جيدة.
ومن المهم أن تتوزع المشروعات على مناطق مختلفة، مع مراعاة احتياجات الشبكة والطلب المحلي وإمكانات الربط، بما يحقق الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة.
كيف يمكن تحويل محافظات الصعيد إلى نماذج للتوسع في الطاقة النظيفة؟
أرى أن هناك فرصة لإنشاء نموذج لما يمكن تسميته «محافظة خضراء»، بحيث تتم تلبية جانب كبير من احتياجاتها من الكهرباء من خلال مصادر الطاقة المتجددة، مع الاستفادة من التخزين ومصادر التوليد المتاحة لضمان استمرارية الإمداد.
ويمكن دراسة مناطق في الصعيد، ومنها مناطق غرب المنيا، لتطوير مشروعات شمسية ورياح ترتبط باحتياجات الاستهلاك المحلي والأنشطة الصناعية والزراعية.
ولا يعني ذلك أن تعتمد المحافظة على مصدر واحد فقط، بل أن تُصمم منظومة متكاملة تجمع بين مصادر الإنتاج والتخزين والشبكة، بما يسمح بتوفير الكهرباء بصورة أكثر استقرارًا وتكلفة تنافسية.
وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تطبيقه تدريجيًا في مناطق أخرى، مع مراعاة الخصائص الفنية والاقتصادية لكل منطقة.

ما الذي تحتاجه مصر للوصول إلى مستهدفاتها في الطاقة المتجددة خلال السنوات المقبلة؟
تحتاج مصر إلى مواصلة التوسع في القدرات المتجددة، مع وضع آليات واضحة لتنفيذ المشروعات وربطها بالشبكة، وتوفير التمويل اللازم، وتطوير البنية الأساسية، وتيسير الإجراءات أمام المستثمرين.
كما يجب أن تكون هناك رؤية طويلة الأجل تحدد دور الطاقة الشمسية والرياح والتخزين، وتربط مشروعات التوليد باحتياجات الصناعة والنمو السكاني والمدن الجديدة.
والأهم هو أن تكون السياسات مستقرة بما يكفي لتمكين المستثمر من اتخاذ قرارات طويلة الأجل؛ لأن مشروعات الطاقة المتجددة تحتاج إلى استثمارات كبيرة، ولا يمكن تنفيذها على أساس توقعات قصيرة المدى.
ومع وضوح الرؤية، تستطيع مصر الاستفادة من مواردها الطبيعية ومن اهتمام مؤسسات التمويل الدولية، فضلًا عن إمكانات القطاع الخاص المحلي والعالمي.

كيف ترون مستقبل فولتاليا في السوق المصرية؟
ننظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استراتيجية على المدى الطويل، وليس سوقًا ندخلها لتنفيذ مشروع واحد ثم نغادرها فنحن نعمل في مصر منذ عام 2017، ونسعى إلى تطوير فرص جديدة والاستفادة من الإمكانات الكبيرة المتاحة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ومجموعة فولتاليا لديها أنشطة واستثمارات متنوعة، وتتبنى نهجًا طويل الأجل في الأسواق التي تعمل بها وبالنسبة لنا، يمكن أن تصبح مصر سوقًا محورية في المنطقة، بل «البرازيل الجديدة» لفولتاليا، إذا استمرت فرص النمو وتوافرت الظروف المناسبة لتطوير المشروعات.
لدينا موارد طبيعية قوية، وطلب متزايد على الكهرباء، وفرص لتوسيع الصناعة، كما أن هناك إمكانية لبناء شراكات طويلة الأجل مع الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية.
ونحن مستمرون في دراسة المشروعات والفرص الجديدة، ونتطلع إلى أن تسهم استثماراتنا في دعم التحول نحو الطاقة النظيفة، وتوفير كهرباء تنافسية، وتعزيز التنمية الاقتصادية في مصر.






























