عندما علمت بتعطل منصة خدمات الكهرباء، عادت إلى ذاكرتي رحلة العمل على توحيد إجراءات خدمات الشباك الواحد لخدمة المشترك في شركات توزيع الكهرباء التسع؛ بما حملته من مناقشات وتحديات، وجهود لتقريب التوجهات، والانتقال من معاملات تعتمد على حضور المواطن وتنقلة من شباك الى اخر ومن مبنى الى اخر والمتابعة الشخصية إلى خدمات تقدم من مكان واحد وبعضها يتم الكترونيا وتحكمها إجراءات واضحة وشفافة .
أستعيد هذه التجربة اليوم والذى تشرفت بالإشراف المباشر على العمل مع فرق شركات التوزيع لبناء أساس مؤسسي من التعريف بكل خدمة، وتحديد مستنداتها، وضبط زمن تنفيذها وتكلفتها، وتوحيد أسس التعامل مع المشتركين للوصول إلى خدمة أكثر شفافية واستقرارًا، تليق بالمواطن وتدعم تطور قطاع الكهرباء وتحرير السوق الا ان منظومة الكترونية ربما بها بعض المشكلات الفنية.
وكان السؤال الذي يحكم توجهنا بسيطًا: لماذا يختلف ما يُطلب من المشترك للحصول على الخدمة نفسها من شركة إلى أخرى؟ ولماذا يتفاوت زمن إنجازها أو أسلوب احتساب تكلفتها دون تفسير واضح له؟ وكيف نجعل حصوله على الخدمة قائمًا على قواعد معلنة يستطيع فهمها ومتابعتها؟
لم يكن الوصول إلى إجابات موحدة أمرًا سهلًا. فقد كانت لكل شركة خبرتها ونظمها وممارساتها المستقرة، وتفاوتت جاهزية الفروع وإمكاناتها الفنية والبشرية. وكان توحيد التوجهات يحتاج إلى حوار ومراجعة للتفاصيل، وتمييز بين اختلاف تفرضه طبيعة الحالة فنيًا، واختلاف يمكن تجاوزه بتبسيط الإجراء وتوحيده.
وأتذكر كم كانت المناقشات ممتدة، فمن الطبيعي أن تظهر تحفظات، وربما اعتراضات، عند تغيير أسلوب عمل اعتاده العاملين لسنوات؛ خاصة عندما تصبح خطوات المعاملة مسجلة، والمسؤوليات محددة، وأسباب التأخير قابلة للمراجعة، ويقل اعتماد المشترك على الاتصال المباشر وملاحقة طلبه بين المكاتب.
وأعتز بما قدمته فرق العمل في شركات التوزيع خلال هذه المرحلة. فقد أسهمت بخبرتها الميدانية في مراجعة الإجراءات، وتحديد مواطن الاختلاف، وصياغة مرجعية مشتركة تجمع بين متطلبات العمل وحقوق المشتركين. وكان ذلك إنجازًا جماعيًا أفتخر بالمشاركة في قيادته والإشراف عليه.
وقد وثّق «جدول توحيد القواعد الحاكمة لخدمات الشباك الواحد»، في ورقة «نموذج موحد»، ستًا وعشرين خدمة، موضحًا تعريف كل خدمة، والمستندات المطلوبة، والوقت والتكلفة في الشركات المختلفة، وصولًا إلى «المعدل النموذجي» المستهدف.
وشملت الخدمات التعاقد وتركيب العدادات القانونية والكودية، واستبدال العدادات التالفة والمفقودة، وتغيير اسم المشترك، وفحص العداد ورفعه، وزيادة القدرة، وتعديل الوصلات، وجدولة المديونيات، وتوصيل الكهرباء للمباني والمنشآت، فضلًا عن خدمات السداد والإبلاغ عن القراءات وشحن الكروت وتصحيح البيانات والشكاوى.
وتوضح محاضر تلك المرحلة انتقال العمل إلى التفعيل الإلكتروني؛ ومن بينها اجتماع 12 أبريل 2017، المخصص لتفعيل خمس خدمات للشباك الواحد على المواقع الإلكترونية لشركات التوزيع. وكانت هذه الخطوة جزءًا من مسار يربط توثيق الإجراءات بميكنتها وإتاحتها للمشترك.
والقيمة الحقيقية لهذه الجداول أنها قدمت أساسًا لحوكمة الخدمة. فحين يعرف المشترك الأوراق المطلوبة، والمبلغ المستحق أو طريقة احتسابه، والمدة اللازمة، تقل مساحة الغموض والاجتهاد، وتصبح المطالبة بالحق أكثر وضوحًا. وحين يعمل الموظف وفق قواعد معلنة، تتضح مسؤوليته وتقل فرص الخلاف حول ما يجب عليه تنفيذه.
أما تعطل المنصة لفترات ممتدة، فهو يمس الغرض الذي أنشئت من أجله. وبحسب ما بلغني وتابعته، امتدت بعض فترات الانقطاع طويلًا، وربما تجاوزت أسبوعين؛ وهو ما يستدعي مراجعة استمرارية الخدمة، وأسباب التعطل، وفاعلية خطط الاستعادة والبدائل التشغيلية.
فخلف كل طلب مصلحة لمواطن أو نشاط اقتصادي ينتظر التنفيذ. ومن الضروري أن توجد آلية معلنة أثناء الأعطال تحفظ تاريخ الطلب وحقوق صاحبه، وتتيح استكمال المعاملة بعد عودة المنصة دون إعادة الإجراءات، مع إبلاغ المستخدمين بحالة العطل وتطور معالجته وبمكن الاستفادة من مركز خدمة العملاء على الرقم الموحد 121 والذى تشرفت بقيادة فريق العمل لتنفيذه ايضا.
وترتبط هذه المنظومة بفكرة تحرير سوق الكهرباء؛ لأن السوق الأكثر انفتاحًا يحتاج إلى مشترك مطمئن، ومعلومات متاحة، وقواعد متكافئة، وتكاليف مفهومة، وآليات فعالة للشكاوى وتسوية النزاعات. وتوحيد المعاملات وشفافيتها يساعدان على بناء هذه الثقة، ويهيئان المشترك للتعامل الواعي مع تطور السوق.
وكلمة أخيرة: من دون رقمنة حقيقية وميكنة متكاملة للعمليات، ستظل مشكلات كثيرة عالقة أمام المشتركين والعاملين والإدارة، وسيبقى غموض الإجراءات وطول الانتظار مدخلًا لممارسات غير مرغوبة.
ولهذا، ينبغي أن تُنجز المعاملات النمطية آليًا، دون تدخل بشري وأن يقتصر التدخل على الحالات التي تحتاج إلى تقدير فني أو استثناء مبرر، بصلاحيات محددة وأسباب مسجلة وقابلة للمراجعة عندها تتفرغ الكفاءات لحل المشكلات، وتقل الحاجة إلى الوساطة والمتابعة الشخصية.
ذلك هو الهدف الذي بدأنا من أجله: أن يحصل المشترك على خدمته لأن طلبه مستوفٍ، وفق قواعد معلنة، وفي موعد معلوم؛ وأن تكون المنصة ضمانة لحقوقه، وأداة لكفاءة العمل، ومصدرًا للثقة في قطاع الكهرباء.


































