وليد البهنساوي
ليس التاريخ مجرد تدوين للأيام، ولا صفحات تُملأ بالسرد والذكريات، بل هو سِجل حاد لا يعترف إلا بالأثر، ولا يُخلّد إلا أصحاب الأفعال. فكم من عابرين مرّوا على أروقة المسؤولية ومكاتبها، ذهبت أسماؤهم مع الريح لأنهم اكتفوا بالوعود والتمنيات، وكم من رجالٍ خُلِقوا ليكونوا حجر الزاوية، يتركون في جدار الوطن بصمة حية لا يمحوها الزمن.
في عالم الصناعة، حيث الأرقام صلبة والمصانع المتوقفة أشبه بأطلال تئن تحت غبار السنين، لا تتغير المعادلة بأقلام المحررين، بل بسواعد الميدانيين. وتأتي عودة قلعة “شركة النصر لصناعة السيارات” إلى الحياة، وإطلاق أول سيارة كهربائية مُجمعة محليًا على أرض مصر، لتكون شهادة ساطعة على أن العزيمة الصادقة قادرة على بعث الروح في الأمل المفقود.
يقف خلف هذا التحول التاريخي رجال اختاروا الطرق الوعرة، بدءًا من المهندس محمود عصمت، وصولًا إلى المهندس محمد شيمي الذي أطلق الجهد الحرك لسرعة إنقاذ الشركة وعودتها إلى مصاف شركات السيارات الكبرى

والحديث هنا عن مسيرة المهندس محمد السعداوي ليست حديثًا عن مناصب أو ألقاب، بل عن رحلة كفاح حقيقية؛ مسيرة بدأت خطواتها الأولى بين حرارة الميدان وضجيج الآلات في أقصى صعيد مصر، هناك حيث يتشكل معدن الرجال، وحيث يُقاس النجاح بحجم العرق لا بعلو الصوت.
من مهندس صيانة يخوض تفاصيل العمل اليومي بكل إخلاص، إلى قائد مسؤول عن قطاع عريض كـ “الشركة القابضة للصناعات المعدنية”، تجسدت الرؤية الوطنية في أبهى صورها: رؤية لم ترضَ بأن تظل “النصر للسيارات” مجرد ذكرى طيبة من الماضي، بل أرادت لها أن تعود مجددًا إلى مستقبل التكنولوجيا الصديقة للبيئة، وضخ استثمارات تنخطي 4.5 مليار جنيه لتكتب فصلًا جديدًا من الريادة الصناعية اليوم بـ 45% مكونًا محليًا.
إن العظمة الحقيقية لا تكمن في بلوغ قمم النجاح فحسب، بل في النبل الذي يرافق الطريق؛ أن يخدم الإنسان وطنه بقلب محب، وأن يترك خطواته سطرًا من نور تُقرأ بالإنجازات لا بالشعارات.
فحين تنطلق اليوم أول سيارة كهربائية خرجت من أروقة حلوان، لا ينظر المتابعون إلى صاج ومحرك فقط، بل ينظرون إلى كبرياء وطن يُستعاد، وإلى حلم تحول بواقع الفعل إلى حقيقة، مؤكدين أن الأوطان تنهض حين يمسك بدفتها رجالٌ يقرنون القول بالعمل، ويبصمون بأفعالهم صفحات التاريخ.
فتحية من شعب مصر الذي شاهد اليوم إطلاق أول سيارة كهربائية بمصانع شركة النصر للسيارات للمهندس محمود عصمت والمهندس محمد شيمي والمهندس محمد السعداوي






























