أتابع ما يُطرح في «مسيرة الطاقة – مصر 2026» عن تطور القطاع وحجم المديونيات والأعباء المالية، وأقدّر أهمية عرض الحقائق أمام المواطنين وتعريفهم بتكاليف تأمين الطاقة. وأرى أن التعريف بمسيرة الطاقة وتكاليفها خطوة ضرورية لبناء الوعي، ومتسقة مع الدعوة إلى الشفافية التي يؤكدها رئيس الجمهورية.
لكن الحديث عن هذه الأعباء نكأ جراحًا قديمة، ودفعني إلى العودة لمذكراتي وعروضي التي قدمتها على مدى أكثر من 20 عامًا، وفيها حلول عملية لتحسين كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وتقليل استهلاك الوقود وتخفيف التكلفة.
ومن بينها عرض مؤرخ في 13 يونيو 2014، قدمته في مدينة الأقصر، يوثق تجربة الطاقة الشمسية وتحسين كفاءة الإنارة بمبنى وزارة الكهرباء، تضمن مقارنة بين الاستثمار في الطاقة الشمسية والاستثمار في تحسين كفاءة الإنارة باستخدام LED؛ مقارنة كانت تستحق أن تتحول نتائجها إلى برنامج أوسع للتنفيذ، وأن تخضع فرص التوفير فيها لدراسة جادة ومتابعة مستمرة.
وتكشف الأرقام آنذاك أن وفر الطاقة السنوي من تحسين كفاءة الإنارة بلغ نحو 1.92 مرة الإنتاج الشمسي، باستثمار يعادل نحو 18% من تكلفته، أي قرابة الخُمس. وقد لخّصت النتيجة آنذاك بعبارة «الوفر يقارب الضعف والتكلفة تقارب الخُمس».
كان ذلك جهدًا موثقًا بتجارب وقياسات ومقارنات اقتصادية، وصولًا إلى طرح إنشاء كيان متخصص لكفاءة الطاقة والطاقات المتجددة. وكانت هناك فرصة تستحق الدراسة الجادة والمتابعة، وربما كان اغتنامها مبكرًا سيخفف جانبًا من الأعباء التي نواجهها اليوم.
تقدمت بالمذكرات والعروض التقديمية أملًا في أن تُناقش التجربة على نطاق أوسع، إلا أن الأمور سارت في غير ما كنت أتوقع، لأسباب ربما غير مهنية، وبعيدة كل البعد عن الإنصاف. وأقسى ما يواجهه الإنسان أن يرى المشكلة التي حاول الإسهام في علاجها تتفاقم، ثم يعود إلى أوراقه متسائلًا: لماذا لم يُستمع إلينا؟
الشفافية تستدعي أن نوضح للمواطن حجم الأعباء، وأن نراجع أمامه أيضًا كيف نشأت، وما هي الأسباب الجذرية، وما الذي كان يمكن تفاديه، وكيف سنمنع تكراره. ومن حقه أن يرى إجراءات لإصلاح الإدارة وإعادة الهيكلة، ورفع الكفاءة، ومحاسبة التقصير، بالتوازي مع أي مطالبة له بتحمل المزيد والصبر.
إن الضغوط العالمية الحالية، وما قد تحمله السنوات المقبلة من تحديات، تتطلب منا مزيدًا من الوعي والاستعداد، وبناء سيناريوهات مبتكرة لتأمين إمدادات الطاقة واحتواء تكلفتها. ويقتضي ذلك تنويع المصادر، وإعطاء كفاءة الاستخدام وإدارة الطلب أولوية في التخطيط والاستثمار، مع الاستفادة من الخبرات الوطنية والمقترحات المدروسة. فكل استثمار مجدٍ في توفير الطاقة اليوم يعزز قدرتنا على مواجهة ضغوط الغد، ويخفف الأعباء عن الدولة والمواطن.






























